أصداءأقلام الكتاب

شـيخـوخة جـيـل وقـضـيـة !!..

    السـفـيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

 

شـيخـوخة جـيـل وقـضـيـة !!..

أنا من جيل رضع قضية فلسطين ولم يفطم منها بعد ، لكأنها طائرنا المعلق فوق رؤوسنا من المهد إلي اللحد ، جيل أرادوا أن يقنعوه بإشتهاء الموت من أجل تراب فلسطين ، وقضي العمر يقرأ ويستوعب ويبخر أحلي سنوات العمر في الخنادق ، ويعطي آلاف الشهداء وآلاف غيرهم ممن عادوا من جبهات القتال أحياءاً ولكن مشوهين.

أتي اليوم لمن يقول لهذا الجيل : لقد عشت عمرك كله تقرأ كتباً كاذبة وأفكاراً غير صحيحة ، وتابعت ساسة خدعوك وفلاسفة ضحكوا علي ذقنك وعقلك ، وأفنيت عمرك في هراء ، وهاأنتذا علي مشارف الشيخوخة تكتشف ” الحقيقة ” ، وعليك أن تدرك أن تلك القضية لم تكن سوي نوعاً من المخدرات ولابد أن تعالج نفسك من الإدمان .

المشكلة ليست إغتصاب أرض ولا تشريد الملايين ، ولا هي عنصرية الباغي ولا هي منطق القوة ولا هي ” من النيل للفرات أرضك  يا إسرائيل ” .. المشكلة هي مرض الإدمان !!

ماهو موقع ذلك الجيل – جيلي – الذي ولد علي مشارف نكبة 48 ، واشتد عوده علي إنتفاضة 56 ، حتي انكسر بنكسة 67 وبعدها قبع في الخنادق كي يحرز أول انتصار علي الهزيمة في حرب الإستنزاف يعقبها بقفزة هائلة عبر بها حواجز كثيرة عام 73 … ثم تمر السنين علي تلك الوثبة الخاطفة الظافرة ، ليتبين الجيل  عبثية كل التواريخ السابقة ، وبعد أن  شهد أربعة حروب مع عدو ، يكتشف – فجأة – أنه كان يستطيع منذ البداية أن يكتفي بالإعتراف بالأمر الواقع وكفي الله المؤمنين شر القتال ؟.

هل كانت فلسطين على الخريطة يوما ً ؟ هل هناك شعب فلسطيني ؟ هل كانت المسألة تستحق بالفعل هذا العناء ؟ وكل هذا الغناء ؟ وكل هذا الفناء ؟ ..

أتذكر الآن آلاف الخطب الحماسية والأبواق النحاسية ووثائق ممهورة بالدماء، ورقيب فصيلتي رضوان في لحظة الإستشهاد ينظر نحوي بعينيه العسليتيين قريراً راضياً، كأنه يؤكد لي قبل رحلته النهائية أنه أوفى بالقسم الذي أقسمناه بأن نحرر كامل التراب الوطني ونستعيد فلسطين..

تري هل ستتذكر الأجيال القادمة شيئاً من ذلك ؟ ، قد يذكرون فقط أن جيلاً كاملاً بسبب مصادفات تاريخية عجيبة عاش غبياً ومات أكثر غباءاً  !!.

إن فلسطين وفقاً لمنطق “نتن ياهو” لم تكن ضائعة أبداً ، لأنها وفقاً لنفس المنطق لم تكن موجودة أبداً .. إذ هي مجرد خيال رومانتيكي لجيل أدمن المراهقة السياسية ، لم يتحل يوماً بواقعية الحكماء والجهابذة ، فلسطين مثل امرأة طاغية الجمال والفتنة لم توجد إلا في خيالاتنا ، فخبلتنا كما خبلت ليلي قيسها ، وعندما أفقنا – متأخرين – اكتشفنا أن من ترقد في فراشنا سيدة قبيحة واقعية باركت زواجنا بها الكتب المقدسة ، وتم زفافنا إليها في البيت الأبيض المعمور .

ولكن جيلنا الأحمق كان قد غادر عمر الخصوبة ولم يبق لديه سوي الإغراق في أحلام اليقظة محلقاً خلف فتنة صباه التي أسماها ” فلسطين ” .

ما أصعب أن يقف المرء علي شفا شيخوخته كي يعتذر عما مضي من سنوات عمره ، ويملأه الخجل ويعتريه الأسي والندم كلما تذكر حماقاته وزلاته ، لا يبقي لهذا الإنسان سوي أن يتواري ، يقطع لسانه ، يفقأ عينيه ، يسكب علي ذاكرته حامض الكبريتيك .. ولكن كيف يمكن إخفاء كتلة زمنية بحجم جيل كامل ؟؟.

 

 

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب .

* الآراء المنشورة في المقال لا تعبر عن صحيفة “أصـداء” وإنما تعبر عن آراء الكاتب ..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق