أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

شُرفات في سماء الأُمنـيات..

الدكتورة/ رضية بنت سليمان الحبسية

 

شُرفات في سماء الأُمنـيات..

 

الوطن، هو المأوى، الذي يحتوي أبنائه، وهو الملجأ الدائم لهم وإنْ ضلّوا؛ فلم يكن الوطن مُجرد حروف مُطلقًا، بل شعور وعاطفة بين الفرع والأصل، وهو حكاية عشق تتكون بين الإنسان والأرض؛ إذ تنمو تلك العلاقة بالفطرة، ويصبح الوطن أجمل مفهوم يتكون مع الطفل منذ نشأته.

ولكن؛ كم من الحكايات تاهت في غمرة المخططات، بحثًا عن شروق شمس في سماء الأمنيات، ولكن هيهات هيهات، فمن المسببات ممّا تداخلت مع حنين الذكريات؛ فما بين الشوق لأصل المنشأ، أو الابتعاد عما يظن الفرد أنها نائبات؛ هناك من القوى التي تشده إلى موطنه، برغم الانبهار بما يسمى بالحرية، أو الانغماس في عالم المطالب الدنيوية؛ فلا المباهج، ولا كلبشات المكابرة تشدّ على معصمه، فيبقى أسيرًا لطفولته، وأحلام تنتابه بالعودة إلى أصله، وبين أروقة الماضي ورونقه.

كما أنّ حرية الاغتراب مَعْقِل، وإن كانت الحياة بين صخب وضجيج البشر، فلا فرح يخفي شجون الافتراق، ولا سعادة مزيفة بين مظاهر التمدّن والتحضّر؛ فبساطة العيش بين مساكن تغرد بأجمل الوقائع واليوميات، أبهج من إطالة البُعد في أراض يُغلّفها قلق البُعد والانفصال، وإن طالت سنين التّيه، فللترابط قيمة لدى التائهين، وقد لا تُدرك إلا بطول المدد والسنين، ويبدأ فارسها بالنبش فيما يُعيد إليه أمجاده وأصالته، وتلتئم معه آلامه وأوجاعه.

تلكم، سطور من العبر لمن ينشد الهجرة والارتحال؛ باحثًا عن وطن غير موطنه، وقد قالها الشريف بن قتادة أبوعزيز، الذي تولى إمارة مكة المكرمة عام 597 هـ، وتوفي عام 617 هـ : بلادي وإن هانت عليّ عزيزة .. ولو أنني أعرى بها وأجوع”؛ فإنْ استحصف الزمان على العباد، واستحكمت عليهم صروف الدهر، فلا غير العشيرة مُخلّصًا ومٌعينًا، وإنْ تغيّرت أوضاع البلاد وأحواله، أو صَعُبَ على الفرد سعيه، يبقى الوطن حاضنًا، وأهل شيعته له سندًا وعضدا، وقد عبّر أبو العتاهية عن غدر الزمان وتقلبه، فالتغيّر من سنن الحياة: “وإنك يا زمان لذو صروف .. وإنك يا زمان لذو انقلاب“.

فمهما تكالبت الصعاب والعُضَال على الوطن، يبقى حس الوصال والارتباط حاضرًا، بقوة غرس قيمها لدى أبنائه؛ فليست المواطنة علاقة تجارية، متى ما عزم الطرف الثاني فسخها وتوكل؛ فهي علاقة متجذرة بين الوطن والمواطن، لا يستشعرها إلا من كانوا بلا مأوى، أو بلا مرجعية، أو بدون جنسية.

الخاتـمـة : تقع على عاتق المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية مسؤولية زيادة جرعات تنمية مفهوم المواطنة، وقيم الولاء والانتماء في نفوس الناشئة، وفق إجراءات تخاطب العقل، وتلامس الشعور، بعيدًا عن الشكليات أو الشعارات المزيفة، كما يتطلب تبصيرهم بواجباتهم، التي يستوجب عليهم الالتزام بها، مقابل حصولهم على حقوقهم التي تنص عليها التشريعات، وتعزيز عوامل الثقة لديهم في رؤية البلاد، والمساعي الرامية إلى تحقيقها.

كما يتوجب علينا جميعا، تمثّل قيم المواطنة قولًا وعملًا؛ وفاءً وامتنانًا  لتربة تربينا عليها، وتنعمنا بخيراتها، وأن نكون قدوة لأجيال نحن مسؤولون عن تنشئتهم، وتشكيل شخصياتهم. فأبناؤنا أمانة، حيث غدو أسرى بين مؤثرات عالمية، وتحديات عصر التقنية؛ لذا علينا تخيّر وانتقاء عباراتنا التي نتداول، والتحكم في ردود أفعالنا تجاه خطط وجهود التنمية، والتأني في إطلاق أحكامنا عليها؛ لكيلا نكون نحن والزمان عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى