أصداء وآراء

صـديـقـة أمـي..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

صـديـقـة أمـي..

 

(إذا شعرتم بالاندثار والانكسار والتمزق  فابحثوا عن من يحتويكم .. ويجمع أشلاءكم المبعثرة)..

أوصتني أمي رحمة الله عليها قبل أن تغادر هذا العالم الزائف أن أصل صديقاتها..

قالت لي :  زرهن ولا تقطعهن بعد موتي..

ولكني أعرف أمي جيدا بأنها ليس لديها رصيد من الصديقات..

ليس لديها صديقات كثيرات..

هي مثلي تماما أو أنا مثلها تماما كلانا نكره تعدد الصداقات وكثرتها..

كانت تكرر على مسامعي : (صديقة مخلصة واحدة خير وأبرك من عشرين من المنافقات المزيفات)..

ومن أقوالها العجيبة (إذا كثر أصحابك زاد صداعك)..

لذلك كان لديها صديقة واحدة فقط هي من تستحق الزيارة..

وأمي كانت تتمتع بذكاء عجيب هي تعلم بأن الغاية من زيارة صديقتها وجارتها المخلصة هو لأجلي ولأجل راحتي..

كانت تعلم بأنني رجل عصبي ساخط على كل شيء ، سيء المزاج ، مخنوق الروح ، قلق جدا ، شديد الضجر ، غير مقتنع بأي شي ، وأحمل اشمئزازا دائما ومتأصلا..

لذلك اوصتني بزيارة صديقتها هذه تحديدا لأنها كانت تعلم بأن هذه المرأة مريحة للنفس وستساهم كثيرا في إطفاء حرائقي الداخلية وتبريد انفعالاتي الملتهبة وأحاسيسي السلبية..

أحيانا كثيرة نحتاج إلى كلمة طيبة رقيقة تطفئ آلامنا..

نحتاج إلى عبارة رقيقة تغسل أوجاعنا وتخيط جراحنا..

نحتاج إلى نظرة رحيمة تزرع فينا جدوى الحياة ورغبة المواصلة والاستمرار..

تحتاج إلى من يربت على كتفك..

تحتاج إلى من يمسد رأسك ويمسح شعرك..

هذه احتياجات سيكوبيلوجية غاية في الأهمية..

فبعد كل معركة طاحنة مع الناس ومع المجتمع أنت بحاجة إلى التطبيب والتضميد والمداوة..

بعد كل لهاث وتمرغ في الاتربة تحتاج إلى حمام دافىء من المشاعر الكثيفة الناعمة..

بعد كل التحام واصطدام مع بعض أفراد المجتمع التافهين أنت بحاجة الى تنظيف وتعقيم وطهارة..

...

كنت في حالة يرثى لها من الانزعاج والتشتت والتشرذم النفسي..

كنت أتجول كمهزوم مكسور في شوارع مدينتي الميتة الخالية من الحياة والتي تموت يوما بعد يوم وتندثر ولا أحد يلتفت إليها أو  يكترث بها..

فجأة تذكرت .. جارتنا الطيبة في حارتنا القديمة صديقة والدتي الحميمة .. فقيرة من فقراء هذا الوطن .. ولكنها كانت غنية النفس عزيزة الروح..

وردية اللسان زهرية الكلام .. لسانها ثلج  أبيض .. وحديثها مرج أخضر..

إنقطعت عن زيارتها أكثر من سنتين..

هذه المرأة العجيبة لا أعرف كيف أصفها..

منذ أكثر من ثلاثين عاما ومن قبل أن يخشن صوتي ويخط شاربي وقبل أن تكتمل ملامح رجولتي .. وهي تعاملني كرجل كبير تعاملني بجمال واحترام لا أحظى به في أماكن كثيرة من محيطي الاجتماعي..

لم تتغير معاملتها لي حتى اللحظة .. نفس اللقاء الدافئ وذات الجمال والترحيب القديم..

يا لها من إمرأة من طينة حقيقية..

إنها فعلا كما وصفتها أمي (إمرأة غير مزيفة)..

إنها من طينة أصيلة عجنت على مهل فنفخ فيها الروح في ليلة قدر..

كانت تنتقي كلماتها وعباراتها في حضرتي..

لا أذكر منذ عرفتها إلا ورأيتها باسمة الوجه طلقة المحيا .. مرحة النفس رغم علمي التام بمصائبها  ومشاكلها مع أولادها  الفاشلين ومعاركها المريرة مع زوجها البائس الذي لا يتقن شيئا سوى الدخان والسعال ولكن أيضا صدور النساء صناديق مقفلة محكمة الإغلاق”..

يالله كم أحب هذه المرأة الرائعة حين أتذكرها وأكون بجانبها..

كنت في حاجة إلى كلماتها إلى دعمها إلى بشاشتها النادرة إلى تفاؤلها الغريب الى صبرها وقوتها  إلى صوتها الذي يمنحني بهجة وأزهار وظلال  كنت بحاجة الى ضحكتها  لتسقيني نشاطا وانطلاقا وبردا وسلام..

……

وتلقائيا رأيت سيارتي تتوجه باتجاه بيتها وتقف أمام بابها..

قرعت بابها..

ناديت بصوتي المزعج : أم راشد..

فجاءني صوتها سريعا كأنه صوت قادم من السماوات..

مرحبا أبو يزيد مليون مرحبا والله … تفضل تفضل..

يا لها من امرأة كيف عرفت صوتي ولم تسمعه منذ أكثر من سنتين..

لحظات ورأيتها واقفة أمامي متهللة الوجه كبدوية مؤمنة بالخلود ..  منشرحة الفؤاد كراهبة ترتل الإنجيل رغم البوس الذي يرتسم على وجهها .. والشقاء الذي يسكن عينيها كانت تضاحك الجدران التي حولها..

فأنا خبير في كشف بؤس هؤلاء البائسين المرهقين وعذاباتهم..

أنا متخصص في قراءة وفك شفرات تجاعيد العذاب على جباههم  الشريفة وقراءة  كفوفهم المتيبسة النظيفة..

قالت لي : زارنا القمر يا أبو يزيد..

ياالله ياالله .. يا لها من عبارة تفعل الأفاعيل في القلب المنهك..

فتحيله الى سماء مزخرفة متوشحة بالنجوم..

تحيله إلى محيط لا تسكنه سوى حوريات البحر وتعانقه الغيوم..

يا لها من عبارة تُحْيي الروح بعد موتها..

(تعال تعال مرحبا .. زارتنا البركة)..

طولت الغيبة يا أبو يزيد .. ليس من عادتك..

(مطول الغيبات يجيب الغنائم).. 

وضحكت بحشمة وأدب وحياء كأنها أميرة أمازيغية..

أدخلتني مجلسهم المتواضع  البسيط وكان حفيدها متعلق بكتفها ملتصقا بصدرها..

جلست معها عشرين دقيقة أو أكثر .. منحتني فيها كل حاجتي من الحنان..

سكبت عليَّ كل الاحترام والتقدير المفقود درجة التخمة..

غسلت قلبي العطش بكل الأنهار الجارفة..

وأطفأت نيران روحي بكل الجليد والثلوج الذائبة..

مثل هؤلاء الناس نادرون..

مثل هذه المرأة التي تعيش البؤس بكل تجلياته منذ صغرها .. ولكن مازال قلبها يرى بأن الدنيا مازلت جميلة مازالت تؤمن بخيرية العالم وأن هناك معجزات وردية قد تتحقق في هذا الكون  البائس..

إمرأة تقابلك بالضحكات وتودعك بالضحكات..

من الآن يقابلك بوجه بشوش ؟؟!!.. وبضحكة صادقة ؟؟!!..

من الآن يمسكك من أطراف أصابعك ويقودك كطفل صغير ليهديك شيئا جميلا ورقيقاً ؟؟!!..

من الآن يجود عليك بقبلة طاهرة .. وكلمة صادقة .. وجمال نقي .. ولمسة حنون .. وحضن عطوف ؟؟!!..

إنهم بشر نادرون حقا .. لكنهم موجودون..

في زحمة هذا القبح واكتظاظه لن ترى الجمال بسهولة..

في هجمة هذا الظلام وسيادة الغبار .. لن ترى النجمات المضيئة إلا بصعوبة بالغة..

إبحثوا عن من يحبكم..

إبحثوا عن أولئك الذين تهتز لهم قلوبكم حين يكونون بجانبكم..

إبحثوا عن ذلك الصنف الذي تبرد عيونكم حين تصطدم بعيونهم..

إبحثوا عن من يشحنكم بإكسير الحب ، ويحقن صدوركم بهرمون الوفاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى