أصداءأقلام الكتاب

صـراع المصالح بين أنقـرة وطهـران في ناجورنو كاراباخ..

الكاتـب/ د . محمـد السعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

صـراع المصالح بين أنقـرة وطهـران في ناجورنو كاراباخ..

 

كان عام 1991، عام سقوط وتفكك الإتحاد السوفيتى وتبعثر جمهورياته، وخاصة جمهوريات آسيا الوسطى، هو عام الإندفاع التركى والإيرانى لاقتناص السيطرة، وفرض النفوذ، إعتقاداً من أن كلاً منهما هي الأقدر والأجدر على ملء فراغ النفوذ السوفيتى.

وكان هذا التوجه من أنقرة وطهران كفيلاً بتفجير صراع مصالح عنيف، حرص كل منهما على كبته حفاظاً على كم هائل من المصالح المشتركة بين البلدين.

فتركيا كانت فى أمس الحاجة إلى النفط الإيرانى، وكذلك كانت ترى إغراءات واعدة فى السوق التجارية الإيرانية فى ظل ما كانت إيران تعانيه من قيود أمريكية على حركة تجارتها الدولية، ناهيك عن ضغوط أخرى صعبة فرضتها السنوات الثماني للحرب العراقية الإيرانية (سبتمبر 1980 – أغسطس 1988).

وكانت إيران ترى في تركيا شريكاً أو حليفاً إقليمياً محتملاً في ظل الضغوط والقيود الأمريكية، وفي ظل فرض واشنطن نفسها مسؤولة عن الأمن الإقليمي الخليجي، كمحصلة لقيادتها للتحالف الدولي لتحرير الكويت من الإحتلال العراقي عام 1991.

تركيا كانت لديها تطلعات وليدة فى ذلك الوقت لفرض نفسها قوة إقليمية منافسة على الزعامة الإقليمية الشرق أوسطية، بعد أن كانت مكتفية بدور “الموازن الإقليمى” بين كل من “إسرائيل” الساعية لفرض نفسها كقوة إقليمية مهيمنة، وإيران المناوئة لهذا التطلع “الإسرائيلي” والحريصة على أن تكون هي القوة الإقليمية المهيمنة.

ورغم وجود طموح التطلع التركي للتأسيس لمشروع إقليمي منافس إقليمياً، إلا أن تركيا في بداية عقد التسعينيات لم تكن تملك مقاليد هذا الدور، لكنها كانت تعي أن جمهوريات آسيا الوسطى التي تنتمي خمس جمهوريات منها إلى ما يعرف بـ “العالم التركي” أو “تركيا الكبرى”، فى مقدورها أن تكون قاعدة التأسيس لهذا الطموح التركي، أي أن تركيا كانت تراهن على “العامل العرقي” التركي المشترك مع هذه الجمهوريات، لانتزاعها من قيود ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وبالذات الطموحات الروسية الجديدة، ولصد الطموحات الإيرانية الحريصة على دمج هذه الجمهوريات فى “عالم شيعى مشترك”.

أما إيران فقد كانت تراهن على “العامل الطائفي الشيعي” الذي يربطها بكثير من هذه الجمهوريات، لفرض نفسها القوة الإقليمية لملء فراغ الغياب السوفيتي، ولمنع أي اختراقات خارجية دولية، خاصةً أمريكية أو إقليمية وعلى وجه الخصوص تركية و “إسرائيلية” يكون فى مقدورها التمركز فى هذه الجمهوريات، بما يهدد الأمن والمصالح القومية الإيرانية، باعتبار أن إيران تربطها حدود مشتركة مع عدد من هذه الجمهوريات.

الصراع الراهن بين جمهورية أذربيجان وجمهورية أرمينيا الواقعتين على الحدود الشمالية لإيران واللتين حصلتا على استقلالهما عام 1991 حول إقليم “ناجورنو كراباخ”، جاء ليفاقم من جذور هذا التنافس بين كل من تركيا وإيران، خاصة فى ظل ظهور متغيرات جديدة باتت تعمل أكثر لصالح المشروع التركي.

فتركيا الآن فى ظل العقيدة العثمانية الجديدة للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، المفرطة فى تطرفها وتطلعها لفرض تركيا قوة إقليمية كبرى ممتدة النفوذ على المساحة التى سبق أن سيطرت عليها الإمبراطورية العثمانية، ليست هى تركيا عام 1991 التى كانت ومازالت تعتبر مجرد “قوة متوسطة”.

فالرئيس التركي حريص دائماً على تأكيد أن هذه الطموحات “حق من حقوق السيادة التاريخية”، لذلك هو يسعى لاستعادة أراضٍ ونفوذ عثماني خسرته تركيا إجبارياً كأحد نتائج خسارة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وما قررته “معاهدة لوزان” لعام 1923 من مقررات أبرزها إقتطاع أجزاء كانت خاضعة للسيطرة العثمانية وإعطائها لدول أخرى.

أردوغان يسعى للتخلص من تركة هذه المعاهدة التي من المقرر أن ينتهي أجلها عام 2023 ، أي بعد أقل من ثلاث سنوات.

صراعاته وأطماعه في شمال سوريا وشمال العراق، وصراعاته مع قبرص واليونان، وتطلعاته للنفوذ في جورجيا وليبيا وغيرها، جزء من مشروعه الجديد لفرض تركيا “قوة إقليمية كبرى”، لكن تطلعاته في جمهوريات آسيا الوسطى التي يسميها بـ “التركية”، تحتل الجزء الأكبر من هذا المشروع، وهذا يفسر سر تدخله العسكرى القوي إلى جانب أذربيجان في صراعها مع جمهورية أرمينيا حول إقليم “ناجورنو كاراباخ”، الذي ينتمى جغرافياً إلى أذربيجان، لكن معظم سكانه جزء من شعب أرمينيا.

وعلى الرغم من هذا الواقع الغريب الذي فرضته السلطات السوفيتية على البلدين، إلّا أن صراعهما حول هذا الإقليم، ظل مكبوتاً طيلة عمر الإتحاد السوفيتي، لكنه أخذ يتفجّر عقب تفكك الإتحاد السوفيتي، حيث شهدت الفترة من عام 1992 – 1994 معارك عنيفة أدت إلى تمكن إقليم ناجورنو كاراباخ من فرض نفسه إقليماً مستقلاً عن “أذربيجان” بحكم الأمر الواقع، والصراع الحالي يهدف من جانب أذربيجان إلى استعادة هذا الإقليم كجزء من جمهورية أذربيجان، فى حين تسعى أرمينيا إما إلى فرضه جزءً منها، أو منحه الإستقلال الذاتي، بما يؤمن اقتطاعه نهائياً من السيادة الأذربيجانية، وهذا ما يجعل الفجوة واسعة أمام القوى التي تسعى للتوسط لحل هذا الصراع.

لم يكن في مقدور جمهورية أذربيجان ورئيسها إلهام علييف الإقدام على الهجوم على إقليم ناجورنو كراباخ لاستعادته بدون ضمان الدعم التركي الكامل، وبدون الحصول على ضوء أخضر من الحلفاء الدوليّين (أمريكا) والإقليميّين (إسرائيل).

الرئيس الأذري إلهام علييف يدرك أن لكل هذه القوى الدولية والإقليمية مصالح استراتيجية واقتصادية كبرى في دعم الطموحات الأذربيجانية، رغم الحرص الأمريكي على الإلتزام بموقف حيادي شكلياً في هذا النزاع.

لكن التدخل التركى القوي لم يكن ليحدث على النحو الذي هو عليه لولا حصوله على ضوءٍ أخضر أمريكى.

فأذربيجان تعتبر مصلحة إستراتيجية لهذه الأطراف لمحاصرة إيران من شمالها، ليس هذا فقط بل لغزوها من الداخل عبر المكون الأذري الإيراني الذي أضحى يمثل واحداً من أخطر مصادر تهديد الأمن القومي الإيراني والتماسك الوطني الإيراني.

فى الوقت نفسه يعتبر “ملف الطاقة” على رأس المصالح الاقتصادية لهذه القوى سواء بسبب اعتماد تركيا على أذربيجان في جزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي، وفي الوقت ذاته ترتبط تركيا مع أذربيجان باتفاقية خط أنابيب ينقل النفط الاذرى عبر الأراضى الجورجية إلى ميناء “جيهان” التركي على البحر المتوسط. لكن التدخل التركي في أزمة ناجورنو كراباخ لصالح أذربيجان يضر من ناحية أخرى بمصالح كل من روسيا وإيران في الوقت الذى ترتبط فيه تركيا بهاتين الدولتين بمصالح متشابكة.

وفى الوقت ذاته ترتبط روسيا بمعاهدة دفاع مع جمهورية أرمينيا، وهي غير مرتاحة لتنامي النفوذ الأمريكي في هذه الجمهورية، وإيران تعتبر هذا الوجود الأمريكي وكذلك الوجود “الإسرائيلي” في أذربيجان مصدراً مباشراً للتهديد، وهي لا تستطيع أن تنحاز إلى أذربيجان بدافع “الوحدة الشيعية” لتجد نفسها في خانة واحدة مع “إسرائيل”.

مأزق إيران أكثر صعوبة، فانحيازها إلى أرمينيا يبدد أطروحة “الوحدة الشيعية”، وإذا كان هذا العامل قد أضحى محدود التأثير بعد إعطاء أذربيجان أولوية لعامل “العرق” (التركي) على حساب العامل الطائفي “الشيعي” فإن انحياز إيران إلى أرمينيا يثير غضب المكون العرقي الأذري الإيراني، مع تنامى ظاهرة “الهوية الشيعية التركية” كما تجسدها جمهورية أذربيجان (التركية عرقياً والشيعية طائفياً)، التى باتت تغري المكون  الأذري الإيراني.

الدعم التركي لأذربيجان يدعم من فرص تجانس بلورة “الهوية الشيعية التركية” قومياً مع “الهوية السنية التركية”، والدعم الإيراني (الاضطراري) لأرمينيا يدعم أيضاً هذه الظاهرة، وهذا بدوره يقوي من فرص انخراط الأذريّين الإيرانيّين في هذا المحور الأذري – الشيعي، وهو أخطر ما يهدد إيران فى هذه الأزمة.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق