أصداء وآراء

صـواريخ المقاومة في معادلة الصـراع..

الكاتـب/ خميس بن عبيد القطيطي

 

صـواريخ المقاومة في معادلة الصـراع..

 

بكل معاني الفخر والعزة والكرامة تقدم المقاومة الفلسطينية ملحمة تاريخية، وتسجل انتصارات عظيمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لانتزاع حقوقها المشروعة، فمنذ بداية شهر رمضان المبارك لعام ١٤٤٢ هجري ـ ٢٠٢١م كانت هبة أبناء الشعب الفلسطيني في القدس الشريف التي سطرت في ذاكرة النضال الفلسطيني أحد الانتصارات، ومنعت قوات الاحتلال ومستوطنيه وجماعتي الهيكل والمعبد من دخول الأقصى بفضل رباطهم المستميت منذ أول ليلة في شهر رمضان المبارك في منطقة باب العامود، وتواصل ذلك الرباط المقدس في الأقصى المبارك حتى يوم الثامن والعشرين من الشهر الفضيل، حيث كان ينوي الاحتلال الإسرائيلي فيه الاحتفال بمسيرة الإعلام للدخول إلى الأقصى إحياء “لذكرى احتلال القدس وفق التقويم العبري، ولكن هيهات والمرابطين في الأقصى يذودون بأجسادهم عن أولى القبلتين وثالث الحرمين، وموازاةً لذلك كان حي الشيخ جراح يشهد محاولة تهويد أخرى بفرض الأمر الواقع لإخلاء (٢٧) منزلاً مقدسياً لصالح منظمة استيطانية، فكانت تلك الهبة المباركة التي دفعت محكمة الاحتلال العليا إلى تأجيل تلك العملية الاستيطانية، إلا أن قوات الاحتلال كثفت جهودها لتنفيذ عملية اقتحام بالمسجد الأقصى وفتح الأبواب لدخول مسيرة الإعلام يوم ٢٨ من رمضان، إلا أن رجال الله من أبطال المقاومة في غزة الذين يتابعون الموقف أولاً بأول أرادوا تلقين كيان الاحتلال الإسرائيلي درساً يضاف إلى دروس سابقة، فأعلن الناطق باسم كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس مهلة حتى الساعة السادسة مساءً أي ساعة واحدة لفك حصار الاحتلال عن الأقصى!! وما أخصب الذاكرة العربية والإسلامية التي سجلت في شهر رمضان المبارك ملاحم عظيمة منذ معركة بدر في السنة الثانية للهجرة مروراً بمختلف الانتصارات التي سجلتها هذه الأمة، وانتهاءً بمعركة سيف القدس التي ما زال أبطال المقاومة الفلسطينية يخوضون غمارها حتى اليوم، لتقدم المقاومة الفلسطينية عبر صواريخها النوعية رسائل عظيمة وتعلن اقتراب مشروع التحرير الكامل للأراضي المحتلة في فلسطين من النهر إلى البحر عاصمتها القدس الشريف، وأن معادلة الصراع مع العدو من الآن فصاعداً تحكمها المقاومة والإرادة الفلسطينية، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن التحرير عُمِّدَ بالدماء الزكية الطاهرة التي قدمها وما زال يقدمها أبناء الشعب الفلسطيني في قوافل من الشهداء لم تتوقف منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، وهكذا هي إرادة الشعوب الحرة رغم أنف الظالمين لتعلن أن النصر أصبح قريباً وأن الوعد الإلهي قد اقترب.

وللحديث عن صواريخ المقاومة الفلسطينية ودورها في تغيير معادلة الصراع لا بُدَّ من العودة للوراء قليلاً للحديث عن الخلفية التاريخية للمواجهة مع الاحتلال في هذا القطاع منذ خروجه صاغراً من غزة بتاريخ ١٥ أغسطس عام ٢٠٠٥م، وإخلاء (٢١) مستوطنة كانت تستحوذ على ٣٥% من مساحة غزة المقدرة بـ٣٦٥ كيلومتراً مربعاً تقريبا ويقطنها مليونا نسمة من أبناء الشعب الفلسطيني، وهي أرض بلا موارد كانت تعتبرها “إسرائيل” عالة عليها ولا تمثل أهمية سياسية أو اقتصادية أو دينية، بل كانت “إسرائيل” تأمل من خلال انسحابها الأحادي خنق قطاع غزة من خلال السيطرة على المعابر، وشنت خلال الـ ١٦ عاماً الماضية (٤) حروب كانت تستهدف فيها البنية التحية وقتل المدنيين، ولا تفرق بين طفل وامرأة وشيخ، واستكمالاً لخلفية العدوان الصهيوني وقبل ذلك الإشارة إلى انتفاضتين عظيمتين سبقتا ذلك التاريخ هما : انتفاضة الحجارة عام 1987م التي فجّرها مروان البرغوثي الذي لا يزال معتقلاً في سجون الاحتلال، وانتفاضة الأقصى عندما دنّس أرييل شارون باحات المسجد الأقصى مع قوات مدجّجة بالسلاح في ٢٨ من سبتمبر عام ٢٠٠٠م، حينها اندلعت انتفاضة الأقصى العظيمة التي استمرت أربع سنوات استفردت خلالها قوات الاحتلال بالحجر والبشر، ونفذت مجازر مهولة ما زالت عالقة في ذاكرة أبناء الأمة، وهاتان الانتفاضتان كانتا قبل الانسحاب “الإسرائيلي” من قطاع غزة عام ٢٠٠٥م بعد احتلال دام (٣٨) سنة أي منذ حرب ١٩٦٧م، أما الاجتياحات التي وقعت بعد ذلك التاريخ فكان أول عدوان في ٢٠٠٨م، وسُمِّيت هذه الحرب من قبل المقاومة الفلسطينية “حرب الفرقان”، فكانت من أشد الحروب وطأة على القطاع؛ أسفرت عن استشهاد ١٤٣٦ فلسطينياً نصفهم من الأطفال والنساء والعجزة مع تدمير كامل للعمران والبنية التحية في القطاع، وبالمقابل قامت المقاومة الفلسطينية بعمليات بطولية كبّدت الاحتلال خسائر في الأرواح والمعدات، بعدها بـ ٤ سنوات حدث عدوان آخر عام ٢٠١٢م، وحرب جديدة فرضت على قطاع غزة أسمتها المقاومة “حجارة السِّجّيل” ولم تستمر طويلاً، وفيها بدأت فصائل المقاومة بإطلاق القاذفات والهاون، لكنها لم تصل إلى المستوى المقلق لكيان الاحتلال الإسرائيلي، ثم تبعها عدوان آخر وحرب جديدة فرضت على القطاع في عام ٢٠١٤م وسُمِّيت لدى غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة عملية “العصف المأكول”، وفي هذا العدوان بدأت المقاومة تقدم نفسها في استخدام الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى وصلت في نهاية المطاف إلى تل أبيب، ولم تستطع قوات الاحتلال تحرير الجندي جلعاد شاليط الذي اشتعلت من أجله تلك الحرب بل تكبدت خسائر فادحة في تطور نوعي للمقاومة الفلسطينية، وجميع تلك الاجتياحات والحروب كانت النتائج العملية تسجل لصالح المقاومة الفلسطينية، بل أدَّت إلى الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين مقابل الإفراج عن الجندي شاليط، وظهرت صواريخ المقاومة بأعداد كبيرة ونوعيات مختلفة أحدثت قلقاً كبيراً لكيان الاحتلال الإسرائيلي فأصبح قطاع غزة شوكة في خاصرة الاحتلال الإسرائيلي ومركز ثقل فلسطيني يمتلك العُدَّة والعتاد لقلب موازين الصراع، ومنذ ذلك التاريخ في ٢٠١٤م ورغم الحصار الخانق على القطاع إلا أن فصائل المقاومة استثمرت الوقت جيداً في تطوير قدراتها وهي متمسكة برسالتها ومشروعها القائم على التحرير، فوظفوا قدراتهم ورهنوا حياتهم في سبيل تحقيق هذا المشروع العظيم وهم يعلمون جيداً أن الظروف العربية المحيطة لم تكن مؤثرة في دائرة الصراع، فحقّقت تلك الفصائل المعادلة الكاملة.

اليوم وفي ٢٨ من رمضان ١٤٤٢هـ الموافق ١٢ مايو ٢٠٢١م سجلت المقاومة الفلسطينية في سجل تاريخها نصراً جديراً ما زالت بوارق آماله عريضة في مشروع التحرير كمًّا ونوعًا فأصبحت صواريخ غزة تدق إسفين النهاية في نعش الكيان المحتل، ولم تملك قوات الاحتلال سوى استهداف المباني والبنية التحتية في قطاع غزة والاستمرار في قتل الأطفال والنساء والمدنيين الآمنين بالقصف العشوائي على أمل تحقيق نجاح واهم في تقديرات جنرالات الحرب الصهاينة.

ولكن كما جرت العادة في الحروب السابقة ستخرج قوات الاحتلال صاغرةً رغم أنفها، وستفشل جميع مشاريع العدو الاستعمارية، وهي في حالة تراجع في الخط البياني في تاريخ الصراع، ما يعد أزمةً حقيقيةً يعيشها كيان الاحتلال الإسرائيلي عبَّر عنها بعض المحلّلين والخبراء من داخل المؤسسات الأمنية والإعلامية الصهيونية بأنها بداية النهاية لما يسمى “إسرائيل” وهكذا دائماً نهاية الاحتلال والظلم الذي تمارسه القوى الاستعمارية على الشعوب، وسط حالة من الذهول والصدمة لما توصل إليه سلاح المقاومة الفلسطينية خلال السنوات الماضية.

عملية “سيف القدس” المستمرة منذ ٢٨ رمضان أثلجت قلوب أبناء الأمة وشفت صدور قوم مؤمنين التفوا حولها بالدعاء والمناصرة والتأييد، بل واختراق الحدود مع فلسطين كما فعلها الأبطال من أبناء العشائر الأردنية، والأهم أن المواجهة الراهنة أفشلت ما يسمى القبة الحديدية وأنهت خرافتها، وهي التي كلفت مئات الملايين لتوفير الحماية والأمن لمستوطني الكيان، ولكنها لم توفر الحماية حتى لنفسها، فيما لم يكلف صاروخ المقاومة الواحد وحسب متوسط التقديرات سوى ١٠٠٠ دولار، وبصناعة محلية في قطاع غزة، وتوجيه دقيق وبأنواع مختلفة مثل (فجر، وسجيل، وأبابيل) وكان آخرها (صاروخ عيّاش ٢٥٠) الذي يصل مداه ٢٥٠ كيلومتراً، مما أحدث حالةً من الهلع والذعر في حكومة الكيان المحتل، ليعلن الناطق الرسمي باسم كتائب عز الدين القَسّام أن هذه الصواريخ تغطي كامل مساحة فلسطين التاريخية من رفح جنوباً إلى الجليل الأعلى شمالاً مروراً بحيفا ويافا وعكّا والناصرة والقدس واللد والرملة وعسقلان وانتهاءً بالنقب وغيرها من المدن الفلسطينية، وهي موجهة بالدقة.

وفي تطور نوعي لافت أطلقت المقاومة نسخةً من طائراتها بدون طيار ما يعدّ تفوقاً كبيراً في موازين الصراع، وبذلك تفرض المقاومة الفلسطينية خاصية الردع الصاروخي وتفرض إرادتها وهيبتها، بل إنها وجهت إنذاراً لكيان الاحتلال الإسرائيلي أن جميع مصالحه العليا باتت تحت طائلة هذه الصواريخ، وأن أي مغامرة باجتياح برّي سيكون تحت رحمة صواريخ الكورنيت والمدافع والقاذفات والبنادق الرشاشة التي جربتها “إسرائيل” في عدوان ٢٠١٤م، واليوم قد آن الأوان للانتقام والثأر لما حدث خلال تاريخ الصراع منذ هجوم العصابات الصهيونية المسلحة مروراً بجميع عمليات الاغتيال التي استهدفت قادة المقاومة والثورة الفلسطينية بدءاً من الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القَسّام وثأراً لجميع القيادات التاريخية أمثال خليل الوزير أبو جهاد، وأبو عمّار ياسر عرفات، وأبو نضال، وأبو علي مصطفى وحيدر عبدالشافي والشيخ أحمد ياسين وقادة آخرين، وعدد آخر من قادة المقاومة سجلوا أسماءهم بأحرف من نور في مراحل مختلفة مثل : المهندس يحيى عيّاش وصلاح شحادة والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي وأحمد الجعبري وغيرهم من القادة العِظام في ذاكرة المقاومة، ومروراً بتاريخ طويل من النكبات والنكسات والاجتياحات والاغتيالات والاعتقالات والعدوان والقتل والتهجير القسري والمشاريع الاستعمارية، كلها ستكون نهايتها وخيمة على كيان الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن على حكومات الكيان الغاصب أن تصغى لصوت العقل إن كانت تريد النصح لمستوطنيها قبل أن تتحول فلسطين إلى مقبرة لهم، ولن يفيد الكيان استجداء المبادرات لاحقاً لأن الوعد الإلهي قد اقترب وعليهم تأمل كتابهم المقدس وأسفارهم ونبوءاتهم، كما أن حقائق التاريخ الطبيعية لا تتغير وستفرض نفسها، وإن غداً لناظره قريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى