أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

ظاهـرة تغـيّـر المُـناخ!!..

شـيـخـة المـحـروقـيـة

 

ظاهـرة تغـيّـر المُـناخ!!..

 

لا يزال التعامل مع ظاهرة تغير المناخ على أنها دورةٌ طبيعية للزمان، ويستند البعض إلى كتابات أثرية وثّق فيها السابقون بعض الكوارث الطبيعية دون الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الزمانية والمكانية؛ فسحابة الصيف العابرة حتى وإن تسببت بفيضانات تختلف عن منخفضات متتالية تستمر لشهر أو أكثر على منطقة لم تعهد هكذا طقس من قبل، كما أن الأراضي سابقًا لم تكن مأهولة ومعمورة كما هو الحال اليوم، وتأكيدًا على أهمية إدراك خطورة هذه الظاهرة كان حريًّا بنا الحديث عن المشكلات الناجمة من استمرارها وكذلك المشكلات المترتبة من الحلول المقترحة لمواجهتها.

لا يقتصر تأثير التغير المناخي على حالات الطقس والتسبب في الكوارث الطبيعية، بل يمتد إلى إحداث تغييرات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية؛ فالفيضانات وانزلاقات التربة دفعت بالعديد من أهالي المناطق المتأثرة للهجرة كما حدث في بنجلاديش والهند وباكستان حتى وإن كانت هجرتهم داخلية حتى الآن، ويهدد التغير المناخي العديد من الثقافات كالهنود الحمر القاطنين على امتداد غابات الأمازون؛ فبعد الحرائق الواسعة فيها عام 2018-2019 اضطروا للانتقال للعيش في المدن والتخلّي عن نمط حياتهم وثقافتهم للتأقلم مع الحياة الحضرية، كما يهدد شعب الإسكيمو بسبب ذوبان الجليد في القطب الشمالي، وعلى الصعيدين السياسي والاقتصادي فإن الحلول المقترحة ستخلق مشكلات عديدة مما سيؤثر على اقتصاد بعض الدول وبالتالي على موقعها السياسي عالميًا.

يُعد مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ هو أبرز الاجتماعات العالمية لمواجهة ظاهرة تغير المُناخ، ودائمًا ما يُطرح على الطاولة العديد من الحلول كالتوقف عن استخدام الوقود الأحفوري (الفحم والنفط) بحلول 2050م، لتسببهما في ارتفاع نسبة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وكذلك التعامل مع الأعداد المتزايدة للماشية التي تعتبر سببًا محوريًا في انبعاثات غاز الميثان.

التخلّص من الفحم يعني تخلّي الهند عن أهم وأكبر مصادر دخلها؛ مما يعني إعادتها إلى سنوات عجاف مضت وهي بالكاد قد تعافت منها وأصبحت تزاحم القوى الاقتصادية العالمية كشريك اقتصادي صاعد ومتقدّم، وحتى توازن الهند بين الأمرين تعهّدت للعمل على خفض انبعاثات الكربون إلى الصفر بحلول عام 2070م عوضًا عن عام 2050م مما أثار حفيظة الدول الأخرى؛ فالهند هي رابع دولة في قائمة الدول الأكثر تضررًا من تغير المُناخ حيث ترتفع فيها نسبة التلوث بسبب المصانع والكثافة السكانية العالية، وهي عرضةً للمزيد من الكوارث الطبيعية في فترات متقاربة كموجات الحر الشديد والجفاف والحالات المدراية في المحيط الهندي التي تتجّه غالبًا إلى بقية دول شبه القارة الهندية وسواحل الخليج العربي.

أما فيما يتعلّق بالنفط، فهناك خطط استراتيجية وضعتها حكومات وشركات كبرى لضمان هيمنة السيارات الكهربائية على الأسواق العالمية بحلول 2032م، كما أن دولاً كفرنسا وألمانيا قلّصت عدد رحلات الطيرات الداخلية إلى النصف للتقليل من نسبة المحروقات مما يعني تراجع طلبها على النفط في قطاع الطيران الذي يعتبر المستهلك الأكبر له، وعليه فإن الدول التي تعتمد على النفط كمصدر دخل رئيسي لها يجب أن تعمل سريعًا لإيجاد مصادر دخل أخرى أكثر استدامة وتنافسية لأنه في غضون خمسة عشر عامًا لن يصبح نفطها مرغوبًا ومطلوبًا في سوق الطاقة العالمي.

اعتبرت بعضُ الدول الغازَ الطبيعي كأحد مصادر الطاقة البديلة، الأمر الذي خلق جدلاً واسعًا؛ فأمريكا وبعض دول الاتحاد الأوروبي تعتبره مصدر طاقة نظيف، بينما تصنّفه وكالة الطاقة الدولية كوقود أحفوري لأنه يتسبب في انبعاثات كربونية عند احتراقه، كما تعمل الوكالة على إغلاق كافة محطات الغاز بحلول 2035م، في الجانب الآخر ترى بريطانيا وفرنسا أنه يجب على الاتحاد الأوروبي ضم الطاقة النووية إلى قائمة الاستثمارات الخضراء، متجاهلتان الجدل السياسي الكبير حول استخدامات الطاقة النووية وسعي الأمم المتحدة للحد من انتشارها ومنع دول عديدة من انتاجها.
تعتمد السلطنة على عائدات النفط والغاز بما نسبته 85٪ من إجمالي دخلها المحلي، كما أنها لا تمتلك مصانع لتوليد الطاقة النووية تأكيدًا على مواقفها ونواياها السلمية، ولعل مشروعها لبناء أكبر مصنع في العالم لانتاج الهيدروجين الأخضر يُعد خطوة هامّة في إيجاد مصدر أكثر استدامة من النفط والغاز وأكثر سلميّة من الطاقة النووية، ولكن وجب الانتباه إلى التنافسية العالية التي ستواجهها السلطنة مستقبلاً خاصة أن العديد من الدول بدأت العمل على انتاج وتسويق هيدروجينها الأخضر لتضمن مركزها في سوق الطاقة العالمي.

حتى وإن استطاع العالم إيجاد الحلول فيما يخص مصادر الطاقة، كيف له أن يتعامل مع المواشي التي تساهم بنسبة 40٪ من انبعاثات غاز الميثان التي تنتج من تجشؤ الأبقار؟.

لقد أدّى الإقبال العالمي المتزايد على اللحوم والألبان إلى زيادة عدد المواشي في العالم ليبلغ عددها 1.4 مليار رأس اليوم، لذلك انطلقت النداءات العالمية للتقليل من استخدام اللحوم والتوجه نحو نظام غذائي نباتي، كما تخطط نيوزيلندا التي تعتبر أكبر مُصدّر للألبان في العالم لفرض ضرائب على مربّي الأبقار، أما البرازيل وهي أكبر مصدر للحوم رفضت هذا المقترح لتأثيره الشديد على اقتصادها، وإن اقتضى الأمر ذلك فهل ستغيّر سلطنة عمان خططها المستقبلية لجعل الثروة الحيوانية أحد ممكناتها لتحقيق الأمن الغذائي وفق رؤية عمان 2040 ؟ وكيف سيؤثر التقليل من تربية المواشي على اقتصادها؟ وكيف ستتمكن من التأثير على الثقافة المحلية للتحول إلى النظام الغذائي النباتي خاصة وأن اللحوم تُعد وجبة رئيسية في الموائد اليومية وموائد الأعياد والمناسبات المختلفة؟.

إن ظاهرة تغيّر المُناخ تضع العالم بين مطرقة الطبيعة الغاضبة وسندان الخسائر الاقتصادية في سبيل مواجهتها ووضع الحلول لها، ويبدو أن الدول النامية ستدفع الثمن الأكبر في هذه المشكلة العالمية، وأفضل حلٍّ لها هو الاستثمار في رؤوس أموالها التي قد تميزها عن الدول الأخرى كرأس المال الثقافي والصناعات الإبداعية والتكنولوجيا، كذلك الاستثمار في رأس المال البشري عبر تمكين الشباب وتأهيلهم في حرفٍ ومهنٍ مطلوبة في سوق العمل العالمي أسوة ببعض الدول كالفلبين التي تعتبر المصدر الأفضل للعمالة المنزلية ومقدّمي الرعاية الطبية والممرضين، وكذلك الأرجنتين والبرازيل حيث يتجّه إليهما صائدو المواهب في كرة القدم، والهند التي توجّهت نحو تمكين كوادر متخصصة في الحاسب الآلي وتقنياته، وغيرها الكثير من الأمثلة على الاستثمار في رأس المال البشري لتحقيق مصادر دخلٍ مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى