أصداءأقلام الكتاب

عام جديد وأمنيات عربية مشروعة

 

خميس بن عبيد القطيطي
khamisalqutaiti@gmail.com

إستقبل العالم بالأمس القريب عاما جديدا نتوق إليه بأن يكون عام خير وسلام على الأمم والشعوب في كافة أرجاء الأرض، ورغم المآسي والأحداث المؤلمة التي يحدثها بنو البشر إلا أن التفاؤل بمستقبل مشرق يظل عالقا تبعثه الروح الخيرة انطلاقا من مقولة: “تفاءلوا بالخير تجدوه”، ولن أطيل في هذه المقدمة لأتقدم بالتهنئة إلى كافة الأمم والشعوب متمنيا لهم كل الخير والسلام في العام الجديد.

ولا شك أننا أمام طموحات وأمنيات مشروعة في مستقبل زاهر لهذه الأمة بجميع فئاتها وطوائفها وشعوبها، ويعنينا أن نتحدث عن أمتنا العربية التي وصل بها الحال إلى تراجع غير مسبوق، لا سيما في عقدها الأخير.

ولعل هذه الجراحات والآلام والظروف العصيبة التي تغوص فيها هذه الأمة، هي إرهاصات لتحول قادم ، وفاصل زمني لبداية عودة عربية إسلامية إلى واجهة التاريخ وصناعة الأحداث، ونعتقد أن هناك بصيصا من الأمل يلوح في الأفق، بالمقابل هناك جوانب أخرى لا تسير نحو المأمول، وفي كل الأحوال فإن الأمنيات والآمال تبقى مشروعة.

قبل عدة عقود خرجت معظم الأقطار العربية من وطأة الاستعمار بعد نضال عظيم دفعت فيه الأمة العربية أثمانا باهظة من دماء أبنائها، بل سطر أبناء هذه الأمة ملاحم كبرى من التضحية والفداء كي تعيش الأجيال العربية القادمة لتنعم بالاستقلال والازدهار، وليس ذلك فحسب، بل لأن الحتمية التاريخية الثابتة هي التخلص من نير الاستعمار وامتلاك السيادة والإرادة الوطنية، ورفض الوصاية الأجنبية والاستفادة من خيرات الأوطان دون تدخل خارجي.

وبطبيعة الحال، كان يفترض أن يتجه العرب نحو الأمام وليس العكس، خصوصا بعد اكتشاف الثروات الطبيعية والنفط على وجه الخصوص، لكن ـ للأسف الشديد ـ وصل بنا الحال والمآل إلى نكسات وصدامات واختلافات فيما بين الأشقاء توسعت مع الزمن، وهو ما يبحث عنه الطامعون للدخول من خلاله، بل لقد عمد العرب إلى فتح المجال للتحالف مع تلك القوى الامبريالية، وهو في حقيقته إعادة إنتاج استعمار جديد تفاوتت شدته من إقليم إلى آخر حسب المقتضيات والمصالح الدولية، ولكن الأسوأ في الأمر أن بعض الممارسات العربية تجاوزت كل الخطوط لاحقا، بل تجاوزت كل المبادئ والأعراف العربية، فسددت طعناتها للأمن القومي العربي، فضلا عن غياب التضامن والتعاون العربي المشترك الذي كان يعتبر من الأسس التي قامت عليها جامعة الدول العربية، وهي الملتقى الجامع للأنظمة الرسمية العربية، لكن المؤسف حقاً كما ينظر إليها غالبية الشعوب العربية – أصبحت هذه الجامعة أداة لتشريع التدخل الخارجي في بعض الأقطار العربية، فمارست دورا خطيرا في سياق الأمن العربي.

اليوم وقبل الحديث عن طموحات وأمنيات العرب المستقبلية، السؤال الذي ينبغي أن نقف أمامه هو: كيف يستعيد العرب تلك الثوابت والركائز الوحدوية بعدما طالها كثير من الضرر؟ والجواب هنا: نعم من الممكن ذلك إذا ما توافرت الإرادة والهمم العالية، وهذا ليس تبسيطا لواقع الحال، بل لأننا لا بد أن نعود متصالحين متضامنين متحدين إذا أردنا البقاء والحصول على موطئ قدم فوق الأرض وتحت الشمس، وإلا فلنتحمل دفع أثمان أخرى باهظة قد تصل بنا إلى الفناء.

لا يوجد في عالم السياسة صديق دائم أو عدو دائم، والسياسة هي لعبة مصالح، وهنا نضرب المثال دائما بالدول الأوروبية التي حدث فيما بينها مجازر ودمار إبان الحروب العالمية، ثم عادت في ظرف وجيز لترسم مستقبلها المشرق، ونحن في الوطن العربي يجمعنا الكثير من العناصر والعوامل المشتركة التي تدعونا الى إعادة إنتاج مشهدنا السياسي المعاصر بشكل مشرف، ولكن هذا لن يأتي بالتنظير السياسي وتقديم الأطروحات والمقالات، بل عندما تمتلك الأمة إرادتها القوية وتبرز عنفوانها.

هناك قضايا ما زالت تثقل كاهل هذه الأمة، وهي من القضايا المستعصية التي حالت دون تحقيق التوافق والتضامن العربي والإسلامي المطلوب، وتأتي قضية الاختلافات القائمة على أسس طائفية ومذهبية في صدارة تلك القضايا العالقة، وهي بلا شك عقبة كأداء أسهمت بشكل أو بآخر في إحداث مواجهات وخصومات بين أبناء الأمة الواحدة، وبلا شك أن هذه القضية تم التخطيط لها خارجيا وظهرت المحفزات لها، ثم لاقت التهييج والإثارة من قبل العرب أنفسهم فتم تسخير المال والإعلام لتأجيجها وعززها الخطاب الديني، وما زالت تعتبر من أشد الفتن التي ترزح الأمة تحت وطأتها، كذلك من القضايا المصيرية أيضا غياب القيادة العربية المحورية الجامعة والتي تمثل أحد أهم المعوقات التي تقف في طريق استعادة هذه الأمة زمام أمورها، وعدم ارتهانها للقوى الخارجية، لذلك نجد الاختلافات السياسية بين الأقطار العربية تسيطر على المشهد العربي الراهن، لذا فإن ظهور قيادة محورية تتسلم زمام الأمور على المستوى العربي ضرورة مستقبلية لا بد منها، ولن تتوافر تلك القيادات إلا في الدول المحورية فهي المؤهلة لقيادة هذه الأمة، وأملنا يظل معلقا في ظهور قيادة عربية تستجمع هذا التشتت العربي للتخلص من تبعات هذا التداعي الخارجي على الأمة العربية وارتهانها للخارج، وهنا لا بد أن تتوافر إرادة سياسية قوية لتوظيف هذه الفكرة ودفعها بالاتجاه الصحيح.

وكما تطرقنا للمعوقات، فهناك أيضا إضاءات مشرقة تمثل خطوط تأثير إيجابي مدعاة للتفاؤل بمستقبل عربي مشرف يتمثل ذلك، في الانتصارات التي حققتها وتحققها قوى المقاومة العربية في فلسطين ولبنان، وانتصار سوريا في حربها على الإرهاب، وعلى العرب العودة إلى جادة الصواب، واستلهام هذه الانتصارات والاستفادة منها لا أن تأخذهم العزة بالإثم من أجل إرضاء ذواتهم، فلا بد من اتخاذ خطوات جادة  لتوحيد الموقف والرأي العام العربي الذي أصابه كثير من التشويه.

وختاما، فإن التفاؤل ما زال عامرا القلوب في عودة عربية نحو التآلف والوحدة، وانتهاء كل الأزمات العربية، ومن هذا المنبر نتوق إلى تجمع خليجي صادق، وعودة الأشقاء في الخليج للجلوس مع أشقائهم العرب على طاولة واحدة بعودة سوريا، ومساهمة الجميع في إعمار سوريا، وانتهاء الحرب في اليمن وعودته سعيدا كما كان، والتخلص من الوجود الأجنبي ونفوذه في أقطارنا العربية، وانتهاء الاختلافات والانقسامات بين أبناء هذه الأمة وبين أبناء الوطن الواحد في كل الأقطار العربية من المغرب، مرورا بمصر والسودان، وانتهاء باليمن والعراق، وتبقى قضيتنا المركزية الأولى والأخيرة هي فلسطين واتجاه بوصلة كل العرب نحوها.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق