أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

عـبـادة جـبـر الـخـواطـر..

خـالـد عـمـر حـشـوان

 

عـبـادة جـبـر الـخـواطـر..

 

الجبر هي كلمة تعني الجبر من الكسر وإزالته والمواساة عند المصيبة ومداواة النفس عند الحزن وهي مأخوذة من اسم “الجبار” الذي هو اسم من أسماء الله الحسنى والذي يجبر القلوب بالطمأنينة، ويحبر الفقر بالغنى، والمرض بالصحة، والخيبة والفشل بالتوفيق والأمل، والخوف والحزن بالأمل والاطمئنان، وهي عبادة من العبادات العظيمة وصفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين الذين يتسمون بحسن المعاملة وطيب القلوب والخلق العظيم.

ونحن في هذا العصر الذي طغت فيه المصالح وحب الذات وزاد فيه البلاء وكثرت فيه الأوبئة، أحوج ما نكون إلى مواساة الناس والتخفيف عنهم وجبر خواطرهم لأنه طريق لمحبة الله عز وجل وفيه مراعاة لشعورهم والتودد لهم وإحساسهم بأنهم أفراد مهمين في المجتمع ومن واجبنا الديني والأخلاقي جبر خواطرهم.

حاجة الإنسان لجبر الخاطر :

يتكون الإنسان من مشاعر وأحاسيس وخواطر قد تكون طيبة أو غير طيبة ومن المشاعر الطيبة جبر الخواطر التي تؤسس العلاقات والأخوة والمحبة بين الناس وتشتد الحاجة لجبر الخواطر والمواساة عند أصحاب القلوب المنكسرة نظرا للظروف التي يقعون فيها والمآسي التي تمر بهم وتسبب لهم المعاناة التي قد تطول عند البعض، وللجبر أثر كبير في القلوب المنكسرة حيث أنه يساعد في تجاوز هذه المرحلة فهو قمة المثالية في التقدير والإحساس والشعور بمعاناة غيرنا والوقوف معهم ودعمهم معنويا أو ماديا أو على الأقل لفظيا.

طرق جبر الخواطر بين الناس :

* يكون جبر الخواطر بالمواساة لكل من فقد أحد من الأهل أو الأحباب والوقوف معه في محنته ومساعدته على تجاوزها.

* قضاء حوائج الناس أو السعي في قضائها والمبادرة بمساعدتهم قدر المستطاع حتى لو لم تكن هناك معرفة.

* البعد عن الشماتة والسخرية واستغلال مآسي الناس وعثراتهم لهذا الغرض السيء.

* تفقد أحوال الجيران والمحتاجين ومعرفة ظروفهم واحتياجاتهم للمساعدة دون منه أو تفاخر وإدخال السرور عليهم.

* العطايا والهدايا لمن يحتاجها حيث نرى بعضها هذه الأيام تذهب للمصالح الشخصية المستقبلية.

* تفريج الكروب وتيسير الأمور على المسلمين والسعي لذلك، (والكربة هي الشدة العظيمة التي تسبب الهم والغم).

* الاعتذار للآخرين عند الخطأ وقبول اعتذار المعتذرين المخطئين علينا والتعود على المسامحة والغفران.

* رفع المعنويات عند السقوط والفشل والتشجيع ومحاولة الدعم حتى لو بالكلمة الطيبة أو الابتسامة فهي صدقة.

* صلة الرحم لأن القرابة هي أول ما يفزع إليها الإنسان عندما يشتد به الضرر أو الخطر أو الانكسار ويحتاج للجبر.

* الحفاظ على العلاقات الاجتماعية مع الناس جميعا وتبادل التهاني في المناسبات الشرعية ومشاركتهم الأفراح.

جبر النبي عليه الصلاة والسلام لنا في هذا العصر الذي لم نره فيه :

كان المصطفى عليه الصلاة والسلام أفضل من يجبر القلوب، ولم يكتف بجبر قلوب أصحابه والمسلمين الذين عاصروه، بل إنه جبر بخواطرنا جميعا نحن الذين آمنا به ولم نره ونحبه ونشتاق لرؤيته ونتمنى لو كتب الله لنا يوما واحدا للعيش معه فقال في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله “وددتُ أنِّي لقيتُ إخواني” فقالَ أصحابُ النَّبيِّ – عليه الصلاة والسلام – أوليسَ نحنُ إخوانَكَ، قالَ : “بل أنتُم أصحابي ولكنْ إخواني الَّذينَ آمَنوا بي ولم يرَوني” (حديث حسن)، وقد استخدم الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث كلمة “وددت” أي تمنيت لقائهم في الدنيا ووصفنا بأننا إخوانه الذين آمنا به دون رؤيته وهو قمة جبر الخواطر لنا من نبي الله وخير البشر.

قصة الدكتور حسام موافي (أشهر دكتور باطني بمصر) مع الشيخ محمد الشعراوي :

ويذكر الدكتور حسام قصته بتلقي اتصال من الشيخ محمد متولي الشعراوي –رحمه الله- للحجز والكشف في عيادته، فرفض الدكتور وطلب زيارة الشيخ شخصيا في منزله، وبعد الكشف سأله الدكتور عن أفضل عبادة تقربه إلى الله خاصة أنه في آخر عمره، فقال الشيخ له: فكر أنت! فبدأ بطرح خيارات مثل الصلاة، الصيام، العمرة، والشيخ يجيب: بلا، فسأله الدكتور: كيف يامولانا؟ فقال الشيخ: جبر الخواطر، فتعجب الدكتور وقال: وما دليلك؟ فقال الشيخ: من ألعن ممكن يكذب بالدين؟ “أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ” ماذا يفعل بعدها؟ “فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ” وكان يقصد كسر خاطر اليتيم، “وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ” ويقصد عدم إطعام المسكين وعدم جبر خاطره، “فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ” فجعل أمر الصلاة الأمر الثالث بعد أمرين كان فيهما جبر الخواطر.

وختاما فإن عبادة جبر الخواطر من أهم التعاملات في المجتمع الإسلامي وطاعة لله عز وجل لأنها تبث روح التعاون والاحترام بين المسلمين وتؤسس التواضع والرحمة والتسامح عن الهفوات والزلات التي تحدث بين أفراده وتقرب القلوب لبعضها البعض وتنشئ الألفة والمحبة بين الأغنياء والفقراء والمحتاجين والأقارب وتقوي صلة الأرحام، هذا بالإضافة إلى الأجر العظيم من الله عز وجل كما ورد في حديث أبي هريرة عن الرسول ﷺ أنه قال: ” مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبةً منْ كُرب الدُّنْيا نفَّس اللَّه عنْه كُرْبةً منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومَنْ يسَّرَ عَلَى مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْهِ في الدُّنْيَا والآخِرةِ، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَترهُ اللَّه فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، واللَّه فِي عَوْنِ العبْدِ مَا كانَ العبْدُ في عَوْن أَخيهِ، ومَنْ سَلَكَ طَريقًا يلْتَمسُ فيهِ عِلْمًا سهَّل اللَّه لهُ به طَريقًا إِلَى الجنَّة. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بيْتٍ منْ بُيُوتِ اللَّه تعالَى، يتْلُون كِتَابَ اللَّه، ويَتَدارسُونهُ بيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمةُ، وحفَّتْهُمُ الملائكَةُ، وذكَرهُمُ اللَّه فيمَنْ عِندَهُ. ومَنْ بَطَّأَ بِهِ عَملُهُ لَمْ يُسرعْ به نَسَبُهُ ” (رواه مسلم).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى