أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

عـبـدالـرؤوف المالـديـفـي!!..

عـبـدالله الفـارسـي

 

عـبـدالـرؤوف المالـديـفـي!!..

 

أخبرتكم في أكثر من سطر  .. وكتبت لكم في أكثر من مقال بأن في السفر فوائد جمّة .. ذكرها العرب قبل العجم .. وأكدها البدو .. قبل الحضر.

في السفر لا تذهلك الأماكن   ..بقدر ما يذهلك البشر.

حين اضطررت إلى النكوص من أستراليا .. بسبب مستوى معيشتها المرتفع والذي لا يتناسب مع دخلي البسيط المنخفض .. وبعد أن عجزت عن الحصول على أي مساعدة مالية من كل الجهات وكل الأشخاص الذين طرقت أبوابهم.

قررت الهروب الى دولة تتناسب ومستوى دخلي.

فقررت التوجه إلى ماليزيا.

في كوالالمبور جمعتني الصدفة في شقة جميلة تتكون من غرفتين وصالة.

غرفة سكنتها بنفسي .. والأخرى كان يسكنها خمسة من الشباب المالديفين الفقراء.

كانوا يتكدسون في غرفة واحدة بخمسين ريالاً في الشهر.

بينما أخذت الغرفة الأخرى لوحدي.

تبا للفقر .. وسحقا للترف.

أولئك الشباب المالديفيّين الفقراء كانوا قمة في الأدب ودماثة الخلق .. والكرم.

حين علموا بقدوم  شاب عربي للسكن  معهم .. ومشاركتهم الشقة .. استقبلوني ببهجة .. وفرح .. وحفاوة.

كان أحدهم وأروعهم  عبدالرؤوف المالديفي .. شاب أعجز عن وصفه.

كان عبدالرؤوف في التاسعة والعشرين.

شابا فقيرا من ضواحي العاصمة (ماليه).

استطاع الحصول على منحة دراسية في ماليزيا بعد أن قاتل من أجلها .. وكافح للحصول عليها.

ولأنه فقير لا يملك شروى نقير ..  فالحكومة الماليزية كانت تدفع لهذه الفئة من الطلاب مبلغاً رمزياً يساعدهم في معيشتهم.

ولكن لأن عبدالرؤوف كان شابا طموحا ومتفائلا .. استطاع الحصول على عمل في مطعم كنتاكي للوجبات السريعة .. في الفترة المسائية.

كان عبدالرؤوف شخصا رائعاً بكل معنى الكلمة .. ضحوكا..  بشوشا .. سريع البسمة .. حاضر البهجة.

كان يناديني أيها العربي.

فأقول له : أرجوك يا عبدالرؤوف لا تناديني أيها  العربي ، فأنا لا أعرف أصلي ، ولا أعرف من أي الدماء البشرية دمي وأشعر بالخِزْيِ  والعار  حين تلاحقني عروبتي المعاصرة رغم أنفي!!.

مازال جل الآسيويّين المسلمين يعتقدون خطأ بأننا أحفاد الصحابة ، وأن دماءنا التعيسة التي تسري في عروقنا هي نفس الدماء النقية الشريفة التي كانت تجري في عروق المسلمين الأوائل وأبنائهم وأحفادهم!!.

*****

كان عبدالرؤوف لا يدخل غرفته قبل أن يقرع باب غرفتي ليطمئن عليْ.

كان يحضر لنا بشكل شبه دائم  البطاطس المقرمشة وقطع الدجاج المحمصة من مطعم  الكنتاكي الذي يعمل فيه.

ولا يأكل شيئا قبل زملائه في الشقة.

كان يملك قناعة وأثرة لا مثيل لها.

من أغرب ما اكتشفته في هذا الرجل الجميل .. هو حبه للحياة .. وتفاؤله المفرط .. وثقته في الله.

كان إذا اشترى قميصاً جديداً أو بنطالاً جميلاً يشعر ببهجة عارمة ..

كل لحظات سعادته .. ويمارسها معنا .. ويوزعها علينا.

في إحدى المرّات اشترى ألةً حاسبةً حديثة..  حيث تخصصه في المحاسبة يتطلب منه ضرورة امتلاك واحدة.

فجاء الى الشقة حاملاً آلته الحاسبة الجديدة تملأه سعادة غامرة لا توصف.

فاحتفل معنا بهذه المناسبة واشترى لنا المرطبات والعصائر.

لم أره يوماً طوال الأربعة أشهر التي قضيتها معه .. لم أره عابساً .. غاضباً .. مكفهراً.

كان لا يعرف شيئا  عن الغضب.

ولا علاقة له بالضيق والعبوس .. رغم فقره المدقع .. وظروفه الصعبة.

كنت أزوره في بعض الليالي في مطعم الكنتاكى الذي يعمل فيه .. وأنتظره حتى ينتهي من عمله .. ونعود معاً مشياً على الأقدام.

نقضي خمسين دقيقة نمشي في الشارع حتى نصل إلى بنايتنا السكنية.

كان طوال الطريق يضحك .. ويتحدث عن جمال الحياة .. وبياض المستقبل .. وضياء الغد القادم.

وحين يقبض عبدالرؤوف راتبه في نهاية  الشهر  من المطعم .. يكون ذلك اليوم عيداً له وعيدا لنا جميعا سكان الشقة.

يحضر لنا ما لذ وطاب من المعجنات والفطائر والحلويات.

وهكذا ديدنه في نهاية كل شهر .. رغم أن راتبه لا يتجاوز الثلاثمائة دولار.

ولكنها النفس الكريمة.

والروح السخية هي التي تجعل من الثلاثمائة دولار في قلب صاحبها ثلاثة آلاف دولار.

كان يتصدق على كل فقير يراه رغم ندرتهم في ماليزيا.

ولا يمنع يده من العطاء أبداً رغم حاجته لكل دولار.

كم أنت عجيب أيها المالديفي الفقير.

مرة سألته :

لماذا كل هذه البهجة ؟ ولماذا كل هذا التفاؤل العجيب أيها المالديفي العجيب ؟.

فيحضنني بفرح ..  ويقول:  لقد فضلنا الله على ملايين البشر يا عبدالله.

أنا أفضل من ملايين الفقراء والتعساء الذين يملؤون هذا الكوكب أيها العربي!!..

أفلا يحق لي أن أبتهج  .. وأفرح .. وأتفاءل؟!!. 

تعالوا معنا هنا لنرى الكآبة بكل أنواعها .. ونرى العبوس والسخط .. والغرور بكل أشكاله واصنافه!!.

شباب رواتبهم تتجاوز الألف ريال .. لديهم بيت جميل .. وسيارة فارهة .. وزوجة .. وعمل مريح .. ولا يعرفون كيف يبتسمون!!.

لا يجيدون الضحك .. وكأن أفواههم تمت خياطتها بأسلاك دقيقة من الحديد والمعدن!!

لا يسلمون على أحد .. ولا يبتسمون في وجه أحد!!

ولا يمدون يداً لفقير!!

ولا يعينون محتاجاً!!

ولا يحملون في سيارته!!

فسبحان الله الذي قسم الغنى والرضى على القلوب!!

فأعطى الأرواح نصيبها من السرور .. والعبوس .. والغرور!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى