أصداءأقلام الكتاب

 عـيد الأضـحى زمـن كورونا .. (المظاهـر والعادات التي فقـدناها) !!..

 

الكاتب/ د . عـبدالرحمن بن سالم البلوشي

 

 عـيد الأضـحى زمـن كورونا (المظاهـر والعادات التي فقـدناها) !!..

 

 من النعم التي أنعمها الله علينا نعمةُ الأعياد؛ لأنها مناسبات دينية تذكرنا بالنعم الجليلة التي تفضل بها علينا الخالق المنعم؛ لكي نشكره عليها ونظهر فيها الفرح والسعادة والبهجة، قال تعالى: ‏”قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” (يونس:58)  ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ‏‏‏قال: كَانَ لأَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ يَوْمَانِ فِي كُلّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمّا قَدِمَ النّبِـيّ –  – الْمَدِينَةَ، قَالَ: “كَانَ لَكُمْ يَوْمانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى”.( ‏‏رواه أبو داود والنسائي وأحمد)، وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل علي رسول الله –  – وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله –  – وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى –  -: “يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا”.

وقد نهى الإسلام عن الصيام في أيام الأعياد؛ لأنها أيام أكل وشرب وسرور وفسحة في الدين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فيما روى عن النبي –  -، قال: “نَهَى النَّبِيُّ –  -عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ” (رواه البخاري)، بالإضافة إلى أيام التشريق الثلاثة؛ لقوله –  – فيما رواه نبيشة الهذلي: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله” (رواه مسلم).

وتتميز سلطنة عمان بمظاهر متعددة لفعاليات عيد الأضحى المبارك، التي ترسم لوحة من التعاون والتلاحم وتظهر بها الفرحة على الوجوه والسعادة في النفوس قبل وأثناء وبعد العيد، في محافظاتها وولاياتها دون استثناء إحياء للسنن، وإظهارا للتراث الموروث الذي يتناقله الأبناء عن الآباء دون تنازل أو تبديل.

ويمر علينا هذا الموسم من عيد الأضحى المبارك، ونحن نعيش وسط إجراءات ربما لم نر مثلها في مشوار حياتنا السابق في ظل جائحة فيروس كورونا التي أصابت العالم وشلت حركته وقيدت مظاهر الحياة العادية التي كنا نعيشها، ومن ضمنها المظاهر الاجتماعية المرافقة لعيد الأضحى المبارك التي لا شك بأنها لن تكون كما كانت في السابق فلا تجمع ولا تواصل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي هذه المظاهر التي تأثرت بفعل هذه الجائحة؟

وللإجابة عن هذا السؤال يمكن أن نفـند ذلك في الأمور الآتية :

 أولا : هـبطة العـيدـ : وهي مظهر اجتماعي لا تكاد تخلو منه أي ولاية من ولايات السلطنة، وفيها تعج الحركة بين بائع وشار ومتجول يستمتع بما يشاهده من حضور ملفت، ساحات تتنوع فيها البضائع اللازمة للعيد يأخذ منها الزائر كل ما يحتاجه ويستعين به على اكتمال إجراءات العيد، وتواكب هذه الهبطات فنون تراثية يقصدها من له الرغبة في الاستمتاع بما يقال فيها من أشعار وقصائد من أفراد الأسرة العمانية، ويتطوع فيها الكثير من أبناء الوطن للتنظيم والإشراف على إنجاح الفعالية، لكن هذه العام تم إلغاء هذا المنشط الاجتماعي حفاظا على الأرواح من العدوى بهذا الفيروس.

ثانيا : تجهـيز تنـور العـيد (المشـوي) : ما يميز العيد في ولايات السلطنة المختلفة هو تنور العيد الذي يتم فيه شواء اللحم جماعيا، ويتم تجهيزه وسط احتفالية اجتماعية رائعة يظهر فيها مهارات العمل الجماعي، ويكون هناك مسؤول عن كل تنور يدعو الناس الذين لهم علاقة بهذا التنور لتجهيزه، وعادة يكون في أيام الإجازة الأسبوعية التي تسبق العيد فيستعد الجميع كلًا بما يتيسر له، ويعملون على تجهيز التنور بالحطب اللازم، وعادة يكون من شجر السمر أو الغاف،  ويشارك الشباب بهذه الفعالية؛ لأنهم من سيسند لهم المسؤولية مستقبلا، بل أن بعض هذه المشاوي يكون بإشراف مباشر منهم، وفي هذا العام لن يكون هناك مشاوي عامة، بل كل أسرة ستدير شؤونها بنفسها منعا للتجمع واستجابة لتعليمات اللجنة العليا.

ثالثا : صـلاة العـيد : وهذا أهم ما فقدناه في هذا العام في ظل هذه الجائحة، التي يحرص على حضورها كل مسلم فيستمع لما يلقى فيها من توجهات وأحكام يستفيدوا منها في شؤون حياتهم لا سيما الكلام الموجه للمتخاصمين فيسري في النفوس ويرجع الجميع لبعضهم البعض، وبعد انتهاء الصلاة لا يخرج أحد من المسجد دون السلام على الجميع، حيث يقف شيوخ القبائل وكبار السن في طابور محاذيا جدار المسجد من الداخل ويمر عليهم الشباب وسط شعور بعظمة الإسلام وأعياده المباركة وتبادل التهاني بهذه المناسبة، وبعدها ينصرف الجميع للسلام على الأسرة والبدء بأول فعاليات العيد وهي ذبح الأضاحي التي تكون عادة أمام كل بيت أو بداخله، ويشاهد الأطفال هذه الشعيرة المباركة ويكونون سعداء بذلك.

رابعا : طلعات العـيد : وهذه الفعاليات التي تبين التلاحم والألفة والمحبة بين أفراد المجتمع العماني، وفيها يجتمع الأهل والجيران بكل قرية؛ لتناول وجبة الغداء في المجالس العامة أو مجالس أحد الأشخاص في القرية وعادة يكون في بيت الشيخ أو أحد كبار السن الذين لهم مكانة اجتماعية أو من يملك مكانا متسعا، وتستمر أربعة أيام، يُجلب فيها بالطعام من كل بيت ليشترك الجميع في تناوله وبحضور الأطفال والشباب، وهذه العام سيقتصر ذلك على الأسرة في كل بيت ولن يكون هذا التجمع الرائع الذي يجسد قيمة العيد ومعناه.

خامسا : تجهـيز الوخائف للشـواء: وهذا المظهر يتكرر سنويا، وفيه يجتمع الأهل والجيران لتجهيز وخائف الشواء التي تكون من سعف النخيل، يجعل فيها اللحم بفواصل من ورق الأشجار وعادة ما يكون من شجرة الهمبو أو الموز، ويقوم على عمل ذلك الشباب في هذه الفترة بإشراف من كبار السن، ويحضرها الأطفال أيضا، ويعطون قيمة لهذه المنشط الاجتماعي، وبعد الانتهاء من التجهيز تحمل إلى التنور الجماعي وفي الغالب يكون في مكان عام خارج القرى أو بجنبها.

سادسا : دفـن التـنور: وهو في الغالب يختلف في مواعيده بين قرى وولايات السلطنة فبعضهم يدفن التنور ظهرا وبعضهم عصرا وبعضهم بعد المغرب وبعضهم بعد العشاء، لكن يتفق الجميع على النمط الذي يتم به ذلك، وتضم بهذه المشاوي الكبيرة ما يقارب من 80 وخيفة، ويكون هناك تجمع كبير من المواطنين من مختلف الأعمار، يفرح الجميع به ويسعدون بالمشاركة فيه، ويتنظرون قدومه في كل عام، لكن سيختلف الوضع هذا العام فلن تكون هناك مشاو جماعية.

سابعا : مسـيرة المشـوي : وتتم بعد استخراج وخائف المشوي في اليوم التالي، وفيه يتجمع الأهالي في نقطة ما من القرية يتم فيها إلقاء القصائد التراثية الخاصة بالمشوي وقصائد وطنية، يمشي الجميع فيها بين أزقة القرية وسط مشاهدة الأسر، وتنتهي أمام مسجد الحي أو معلم تراثي فيها، وتختم بالعازي أو الرزحة العمانية، وهذه الفعالية ربما تقتصر على بعض الأماكن في السلطنة وليست عادة عامة في كل ولايات وقرى السلطنة.

ثامنا : المخرج (العَـزْوَه) : وهذه الفعالية موروثة منذ قديم الزمان، تكون للأطفال، وفيها يذهبون إلى (المخرج) الذي يكون في مكان عام من أجل شراء الحلويات والألعاب يتم بيعها لهم من قبل الباعة المواطنين، ويكون الاستعداد لها مبكرا من قبل أؤلائك الباعة من ناحية تجهيز ما يحتاجه الأطفال، وتستمر لآخر يوم من عيد الأضحى المبارك ويكون موعدها بعد صلاة العصر، لكن في هذا العام سيحرم منها الأطفال بسبب ما نمر به من ظروف وبائية.

تاسعا : الاحتـفال التـراثي بالعـيد : ففي العادة يصاحب كل عيد احتفال الأهالي بفرحة العيد عن طريق الفنون التراثية مثل: الرزحة أو الحربية أو سباقات الهجن أو سباقات الخيل أو السباقات البحرية أو الألعاب الفردية التراثية، وفي هذا المنشط يجتمع المحبون لهذه الفنون من هذه القرى أو غيرها وتكون عادة في مكان عام في مداخل القرى، وتجذب كثيرا من السياح الذين يقضون بعض إجازتهم في السلطنة، وفي هذا العيد لن يكون لهذا المظهر الاجتماعي حضور؛ منعا للتجمع وخوفا من الإصابة بالعدوى.

عاشـرا : إسـتقـبال الحجاج والسلام عـليهـم : شاءت إرادة الله أن يقتصر الحج هذا العام على بعض حجاج الداخل في المملكة العربية السعودية، ولا تشارك وفود الدول الإسلامية فيه، وكانت العادة في السابق أن نختتم العيد باستقبال الحجاج والذهاب للسلام عليهم في منازلهم، بصورة جماعية تظهر فيها السعادة الغامرة بأن وفقهم الله في أداء المناسك والعودة سالمين غانمين، والاستماع لحكاياتهم والقصص التي مرت بهم أثناء تأدية هذا المنسك، فيشعر الحاج بنوع من الغبطة والسرور بهذا اللقاء وتلك الزيارة.

الخلاصـة : يقول ماكسيم خوركي : السعادة تبدو صغيرة عندما تكون بين يديك، وعندما تخسرها تدرك كم هي كبيرة وقيمة.

فصناعة السعادة في هذه الأيام التي نمر بها مسؤولية الجميع، وإظهارها مع الأطفال والأسر واجب في أيام الأعياد؛ لأنها أيام فيها فسحة من مشقة الجلوس في المنزل فترة طويلة، تغير الأجواء المعتادة بلبس الجديد وذبح الأضاحي والاجتماع على الموائد مع الأسرة وعمل برنامج ترفيهي للأطفال والشباب في البيوت له قيمة عظيمة، فلا نفوت هذه المناسبة دون عمل ما كنا نعمله بأسلوب مبسط في المنزل.

وكل عام والجميع بخير، نسأل الله يعيدها علينا وعلى الأمة المسلمة والإنسانية جميعا ونحن في أتم الصحة والعافية وأن يرفع عنا هذا البلاء والوباء.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق