أصداء وآراءأقلام الكتاب

عندما انقلب السحر على الساحر !!..

 

 

الكاتب والمحلّل السياسي/ سميـر عـبـيد

 

 

 

عندما انقلب السحر على الساحر !!..

 

فعند البوابة الإيرانية الآن .. واشنطن تتودد وتتوسل ، وإسرائيل تسد الثغرات ، ودول الخليج حائرة خائرة !!..

الرئيس بايدن ورث تركات ثقيلة .. وحوار مع دولة عنيدة !!..

فحسب التقارير الغربية والأميركية  أنَّ مجموعة الرئيس بايدن شرعت بالاتصال والحوار السري مع الايرانيين بُعيد الاعلان عن فوز الرئيس بايدن في الانتخابات الأميركية الأخيرة. وكان هدف الاتصال هو رغبة ادارة الرئيس بايدن بالعودة الى الاتفاق النووي الذي خرجت منه ادارة الرئيس السابق دونالد  ترامب عام 2018، ولكن الذي يقوله المنطق وقاله الإيرانيون لمجموعة بايدن : إن (العودة الأميركية للاتفاق النوويليست بهذه البساطة ، وليست محفوفة بالورود والتصفيق، بل يجب إزالة جميع القرارات والتوصيات والسياسات الظالمة التي صدرت من أدارة الرئيس السابق دونالد ترامب ضد إيران والتي كانت بسبب خروج واشنطن من الاتفاق)، وبالتالي عندما تريد واشنطن العودة للاتفاق النووي  عليها إزالة جميع العقوبات والتوصيات والحصار الذي فُرض على إيران، وهو شرط إيراني يساندها فيه الأوربيون وروسيا والصين، ويساندها فيها المنطق !!.

لذا .. فالرئيس بايدن في مهمة شاقة كونه ورث الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الرئيس أوباما في المنطقة ، وأولها تأسيس تنظيم ما يسمى بالدولة الاسلامية “تنظيم داعش”، وموضوع السكوت عن التمدد الإيراني في العراق والمنطقة وملفات أخرى، بالإضافة الى التركة الثقيلة التي تركها الرئيس دونالد ترامب للرئيس بايدن والتي سبّبت للولايات المتحدة فوضى ومشاكل داخلية وخارجية، بالإضافة الى تشويه صورة الولايات المتحدة بنظر العالم، والتخريب المُتعمد الذي قام به ترامب في نظام السياسات الخارجية للولايات المتحدة وارتباطاتها والتزاماتها الدولية ومع المنظمات العالمية، وكل هذا يحتاج من الرئيس بايدن جهدا ووقتا لإصلاح ما خرّبه ترامب، والمهمة ليست سهلة أبداً !! ناهيك عن الخوف الذي يُرهق الرئيس بايدن، وهو الخوف من الإرهاب الداخلي والذي لا يُعرف متى يبدأ وأين ؟

بايدن ضعيف أمام طهران !!..

فالرئيس الأميركي جو بايدن ضعيف فعلاً أمام إيران، ولا يمتلك تلك القوة، ولا حتى وسائل الضغط لكي يقنع الايرانيين بالجلوس مع الاميركيين دون رفع العقوبات والحصار أولاً، وفي الوقت نفسه ليست لديه وسائل ضغط ووسائل ترهيب ضد إيران لكي يجبر الإيرانيين بالانخراط في محادثات العودة للاتفاق النووي وجعله يشمل (ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية، وملف التوسع الإيراني في بعض الدول العربية)، فتلك القضية معقدة للغاية وشروطها من الايرانيين كبيرة وثمينة، لا سيما وأن الملف الأول والمتمثل بالصواريخ الباليستية  تلح عليه وتضغط فيه  إسرائيل ،لأنه يقلقها للغاية، والملف الثاني الخاص بالتوسع الايراني في الدول العربية، فتلح عليه وتضغط فيه السعودية ودول الخليج ومصر وبدعم اسرائيلي أيضا !!، والملفان معقدان، خصوصا بعد أن أصبحت إسرائيل عضوا في القيادة العسكرية الأميركية الوسطى، أي باتت عضواً فاعلاً في رسم الاستراتيجيات العسكرية والأمنية في المنطقة، وبات دورها يجعلها الاطلاع على ملفات وأسرار مهمة جدا وتخص دول المنطقة من ضمنها ايران، وهذا عَقّد المواضيع والملفات أكثر وأكثر !!، ولن نستبعد أن تطلب إيران شرطاً، وهو خروج إسرائيل من هذا المفصل !!.

إسرائيل في حالة خوف بعد خسارة ترامب وخروج إيران سالمة !!.

فالإسرائيليون دخلوا برعب جديد وهو الصواريخ الباليستية الإيرانية المجنحة وغير المجنحة، بحيث بات المشروع النووي الإيراني بالدرجة الثانية بالنسبة للإسرائيليين، والسبب لأن إسرائيل كلها باتت هدفا مكشوفا لتلك الصواريخ، لا سيما وأن الإيرانيين إستغلوا الأزمة بين طهران وإدارة ترامب، ومضوا قُدُما في التطوير والتخصيب في مشروعهم النووي، وهذا ما عَلّق عليه قائد الاستخبارات الاسرائيلي السابق (شموئيل مئير) في صحيفة هاآرتس العبرية بتاريخ 8 يناير 2021 قائلاً : (إن سياسة ترامب تجاه الملف النووي الإيراني أفضت الى نتائج عكسية لا تخدم مصالح إسرائيل)، وخاطب بايدن مطالباً إياه بالعودة إلى الاتفاق النووي القديم لإنقاذ الموقف.

فإسرائيل بوضع مرتبك جدا لا سيما وهي تعيش أزمة سياسية خانقة، بحيث بات الشغل الشاغل لها هو سد الثغرات وهذا ما أكده جنرال إسرائيلي كبير قبل أيام قائلاً : (إسرائيل باتت مهددة بصواريخ دقيقة ومجنحة وفتاكة، ويجب الإستعداد لهذا التهديد، واردف قائلاً : لقد فقد سلاح الجو من تفوقه مع وجود آلاف الصواريخ من حولنا وتطال كل إسرائيل) بحيث  وبتاريخ 6 يناير 2021 نشر الجيش الاسرائيلي عددا من بطاريات القبة الحديدية في مدينة “إيلات” الجنوبية خشية اطلاق صواريخ من ” اليمن” تجاه إسرائيل في الايام والاسابيع المقبلة حسب البيانات الإسرائيلية وإذاعة الجيش الإسرائيلي، وكذلك نشرت اسرائيل بطاريات باتريوت لاعتراض صواريخ باليستية !!، وأن هذا التطور في التهديد بات يرهق إسرائيل، وبات يرعبها وهي التي تدّعي هيمنتها على الجو وفي جميع أجواء المنطقة لما لديها من مخزون ضخم من الطائرات الحربية وبمختلف الأنواع والأجيال !! ويبدو أن هذا التفوق سقط أخيراً ولصالح إيران !!.

إسرائيل ولأول مرة تخشى صواريخ الحوثيّين !!..

ولقد لخص التقرير الاستراتيجي السنوي في إسرائيل والخاص بعام 2021 بتوصية خطيرة جدا وهي (على إسرائيل أن تستعد لاحتمالية حرب على عدة جبهات) !! ولقد نُشر بتاريخ 6 يناير 2021، وعبارة “حرب على عدة جبهات” تعني أن إسرائيل باتت أو ستصبح قريباً داخل دائرة من النار أو داخل حفرة جهنم !!.

وهذا يؤشر أن إدارة ترامب وعندما أزّمت الجبهات حول إسرائيل ظناً منها أنها تحمي إسرائيل، وتجعلها قوية وسيدة على المنطقة  قد انقلبت هذه السياسة على إسرائيل أي (إنقلب السحر على الساحر)، حيث باتت إسرائيل في رعب حقيقي، فإدارة ترامب وبضغط من الثرثار المسعور بومبيو الذي وصفته الخارجية الصينية بـ “حشرة السرعوف”، وفِي آخر أيامها قلبت ما تبقى من السحر على الساحر عندما صنّفت “الحوثيّين” كمنظمة إرهابية وسط انتقاد عالمي لهذه الخطوة، حيث قال عنها السناتور كريس مورفي : (جاء تصنيف الحوثيّين كمنظمة إرهابية باعتبارها عقوبة إعدام لآلاف اليمنيّين، حيث ستُقطع المساعدات الإنسانية، وتعيق محادثات السلام في اليمن)، وقد انعكست هذه الخطوة الشريرة ضد شريحة اجتماعية مهمة في اليمن لَم تتعاطى الارهاب لتدافع عن حقوقها، ولكنها وضعت على قائمة الإرهاب بأموال سعودية مدفوعة سلفاً، وها هي باتت تُخيف حتى إسرائيل نفسها، فسارع وزير الخارجية الاميركي الجديد ” بلينكن” ليعلن أنه سوف يتفحص تلك العقوبات وهذا الحظر على الحوثيّين وسوف يعاد فيه النظر قريبا !!.

وكل ما تقدم أيّده مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد في ادارة الرئيس بايدن جيك سوليفان من خلال مقابلته مع شبكة الـ CNN الأميركية والذي قال فيها : (إن اغتيال سُليماني لم يجعل الولايات المتحدة ومصالحها أكثر أمناً مثلما تدعي إدارة ترامب، بل ما حصل هو العكس تماماً .. وأردف قائلاً : إن إيران الآن الأقرب من أي وقت مضى لامتلاك سلاح نووي مما كانت عليه قبل عام )

الدول الخليجية تائهة وتبحث عن بوصلة !!..

 كل ما تقدم جعل الدول الخليجية التي سارعت للتطبيع مع إسرائيل لكي تحميها من إيران في حيرة من أمرها أمام شعوبها، وأمام إيران الخارجة من المعركة منتصرة، وأمام الشرائح الرافضة للتطبيع في تلك الدول والتي باتت أقوى معنوياً ولوجستياً لأنها اتخذت الموقف الصحيح عندما حذرت حكوماتها من الاستعجال نحو التطبيع مع إسرائيل..

فلقد اكتشفت تلك الدول الخليجية ومعها الدول الخليجية التي قامت بوساطة التطبيع مع إسرائيل سراً وبمقدمتها السعودية، بأنها قامت بخطوة متعجلة جداً، وأنها لم توفر شيء لشعوبها وأمنها، ولم توفر  لها غطاءً تحتمي فيه من إيران وغيرها، وتيقنت بأنها ستبقى “عريانة” سواء تغطت بأمريكا أو إسرائيل، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإسرائيل هي التي تبحث عن غطاء، وعن أمن، فكيف توفر الأمن لدول الخليج، بل جاءت لتشفط ما تبقى من خزائن الدول الخليجية التي شفطها قبلهم الرئيس ترامب وصهره كوشنير والآخرين !!.

نصيحة للسعودية ودول الخليج..

فليس من باب التبشير بإيران إطلاقا، فإيران دولة مسلمة وجارة، ودول الخليج دول مسلمة وشقيقة، بل من باب القراءة الواقعية للمتغيرات التي طرأت أخيراً، فننصح الدول الخليجية وبمقدمتها السعودية الإستفادة من الإشارات الإيرانية الأخيرة نحو السعودية واستغلالها لفتح حوارات مباشرة من أجل مصلحة البلدين والشعبين، وكذلك من مصلحة شعوب المنطقة..

ونناشد القيادة العُمانية التي عُرفت بالحكمة والوسطية، بدعم تلك الإشارات بين إيران والسعودية، من أجل إذابة الجليد بين البلدين نحو الشروع باللقاءات والحوارات.

ونجزم أن ما سوف تحصل عليه السعودية من الحوار المباشر وبلا شروط مع إيران لهو أكثر وأفضل من الذي تحاول الحصول عليه من إيران ولكن من خلال الولايات المتحدة !!.

فيجب على السعودية معرفة حقيقة مهمة، أن قوانين اللعبة قد تغيرت، وأن إيران اليوم ليست إيران في آخر يوم من إدارة ترامب، فالرجاء العمل من أجل السلام في المنطقة، لأن المستفيد من التوترات والأزمات وانعدام الثقة بين دول المنطقة هم أعداء المنطقة وأعداء الإسلام.

فإن كنتم مسلمين وتحبون دينكم ونبيكم وأهل بيته، عليكم بالحوار لمصلحة منطقتكم ودولكم وشعوبكم ومستقبل أجيالكم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى