أصداء وآراء

عنـدما يبحـر طفـلي في الانستـجـرام !!..

الكاتب/ د . محمد بن ناصر الصوافي

 

عنـدما يبحـر طفـلي في الانستـجـرام !!..

 

الموقف الأول :

 (يا أماه إن كان عمر لا يرانا ولا يعلم، فإله عمر يرانا ويعلم، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاءِ).

عبارة قِيلت على لسان فتاة مؤمنة، قالتها لأمها في جوف الليل قبل أكثر من (1400) سنة، عندما أمرتها أمها أن تخلط اللبن بالماء.

ثم لا غرابة بعد ذلك أن يكون حفيد هذه الفتاة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز.

 الموقف الثاني :

فتىً يعيش في القرن الحادي والعشرين، عصر الثورة التكنولوجية والانفجار المعلوماتي مع توفر الأجهزة اللوحية وتقنية الاتصال اللاسلكي أو المشبكة (Wi-Fi)، وسماعته الخاصة به، ووجود غرفة منزوية مفتاحها في معصمه.

يبحر هذا الفتى في عالم الشبكة العنكبوتية بين (الواتساب، والتوتير، والفيس بوك، والانستجرام، والتيك توك، والبينتيريست، والسناب شات، واللينكد إن).

لحظة من فضلك : قد تكون سمعت هذه الطلاسم (أسماء وسائل التواصل الاجتماعي) لأول مرة… لا غرابة في ذلك، إذا أردت أن تتأكد من الأسماء اسأل أبناءك.

وحينما يبحر هذا الطالب الذي خَالَ لوالديه أنه بين أحضان الدروس المسجلة، وجنبات الحصص المتزامنة، بينما هو يقلب الطرف بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن بعض المحادثات الخاصة مع الغريب والحبيب، بالإضافة إلى بعض الألعاب التي تتطلب اتصالا مباشرًا بالشبكة العنكبوتية، وهو يلعبها مع الصديق أو شخص مجهول، فيما يرضي الله حينًا، وفيما يسخطه أحيانًا كثيره، غارقًا سحابة نهاره، وأغلب ليله على هذا المنوال.

إن العامل الفارق بين الموقفين هي الرقابة الذاتية، فهي حاضرة بقوة في الموقف الأول، بينما مختفية في الموقف الآخر.

فما مفهوم الرقابة الذاتية ؟..

هي شعور داخلي للطفل، نابع من إحساسه بمراقبة الله له، واطلاعه على تصرفاته، تظهر في صورة قوة ضبط وحرصٍ منه على فعل الخير وترك الشر، والرجوع الذاتي السريع إلى السلوك الصحيح إذا أخطأ.

ومن الكتب الماتعة والمتخصصة في الوقت نفسه في هذا المجال كتاب : “تعزيز الرقابة الذاتية للأطفال في عصر الأجهزة الذكية : دليل عملي للمربّين وأنشطة تفاعلية للأطفال”، للكاتبة نورة بنت مسفر القرني، (وبالمناسبة : يمكن تحميل الكتاب من الشبكة العنكبوتية على هيئة PDF).

وسوف نتطرق لأبرز النصائح والمقترحات التي تقدمها الكاتبة لتكون مرشدًا وسندًا للمربين في كيفية التعامل مع فلذات الأكباد وثمرات القلوب، وعتاد الحاضر والمستقبل للبدء في خوض متعة هذه التربية، ولغرس الرقابة الذاتية لدى أطفالنا.

ومن الأسباب المُعينة على الرقابة الذاتية التي توصي به الكاتبة :

1- استشعار معية الله -عز وجل- ومراقبته من خلال شرح أسماء الله الحسنى: (العليم، السميع، البصير، الرقيب).

2- تعويده على ضبط النفس والتحكم بها، مثل: التدريب على الصلاة والصيام وبر الوالدين، وغض البصر عمَّا نهى الله عنه، واجتناب الكذب.

3- مساعدته على اختيار الصديق الصالح، من خلال معرفة أهميته ودوره الواردة في الحديث المعروف، وبيان فضل الصديق الصالح وأهميته في صلاح قرينه.

4- توضيح أهمية الوقت وحفظه؛ فمن يدرك أهمية الوقت وقيمته، وأنه السلعة الأغلى والفريدة في حياة الإنسان؛ فإنه لن يضيع ثانية منه في معصية الخالق، أو فيما لا يعود عليه بالنفع في الدنيا والعقبى.

5- تعزيز أي سلوك إيجابي ظهر فيه الرقابة الذاتية للطفل، مثل: ترك أي معصية استشعارًا بمراقبة الله له، وكالطفل الذي يصوم يومًا من رمضان رغم إحساسه بالعطش مع قدرته على شرب الماء خلسهً عن والديه.

كما تطرقت الكاتبة إلى بعض معوقات الرقابة الذاتية لدى الطفل، وطرق التغلب عليها، ومن معوقات الرقابة الذاتية أثناء استخدام الأجهزة الإلكترونية :

  • سهولة الوصول للمحظورات دون وجود حاجز أو مانع.
  • الإبهار البصري والسمعي الذي تظهره التقنيات والتكنولوجيا.
  • إدمان منصات التواصل الاجتماعي، والتعلق بها.

وأختم هذا المقال بعبارة رائعة للكاتبة نورة بلورة النتيجة النهائية التي يحصل عليها الطفل نتيجة الرقابة الذاتية : “عندها يصبح الطفل مراقبًا لنفسه ولسانه وكل جوارحه، دون الحاجة لمحاسبة غيره من الكبار، ويكون مسؤولًا عن نفسه وأعماله، مجاهدًا لهواه، متجنبًا ما من شأنه أن يخل بالآداب التي نشأ عليها، وعلمها له والداه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى