أصداء وآراء

عيد الشهُداء الأنقياء الأتقياء في السماء..

الكاتب/ د . جمال عبد الناصر أبو نحل

أديب ومفكر ومحلل سياسي – فـلسـطـيـن

عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر

رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين

Dr.jamalnahel@gmail.com

 

عيد الشهُداء الأنقياء الأتقياء في السماء..

 

مع بزوغِ فجر شوال، وفي أيامِ شهر أيار؛ جاء عيد الفطر، وفِيِّه تُنَارَ الأنُوار، وتُزدهرُ الأزهار في كُل دَار؛ ولقد أتى العيد، ولكن بأي حَالٍ عُدت يا عيد، ومن المعلُوم أن يكون الكُل في العيد سعيد!!؛ ولكن في فلسطين المشهد مُختلف تمامًا، فَمِّن المعروف عن الشعب الفلسطيني مَقُولِة:” ليس العيدُ لمن لَبِّس الجَدِّيَد، وإنما العيدُ لمن مات شهيد”؛ حيث أن الوضع في فلسطين لهُ خُصوصية تَخَتلف تمامًا عن كل دول، وشعُوب العالم كون فلسطين مُحتلة، وفيها عروسة المُدن، ودُرَّة تاجها مدينة القدس المُحتلة المُغتصبة من قِّبَل أحقر عصابة احتلال فاشي صهيوني عنصري في العالم، والذين نغصوا على الفلسطينيين المسلمين في المسجد الأقصى عبادتهم في شهر رمضان الفضيل، وحاولوا اقتلاع سكان حي الشيخ جراح من بيوتهم، وتهجيرهم قسرًا!؛ فَعاثوا في فلسطين، ومُقدساتها فسادًا!؛ فَقصفوا مدينة غزة بالطائرات الحربية، وقمعوا أهلنا في القدس، والضفة، وأراضي فلسطين المحتلة عام النكبة 1948م، ولم يحترم هؤلاء القتلة المجرمون حُرمة شهر رمضان الفضيل، أو حُرمة يوم العيد، وجعلوه مُوشحًا بالدماء، وبرائحة القصف، والدمار، لِكُل العَمَار، فقصفوا الثوار، والأبرياء، واغتالوا الناس من جميع الأعَمار أولئك اليهود المُحتلين المستوطنين الأشرار، مسحوا مناطق، وعوائل بأكملها، وسوُوها بالأرض!. إن عيد الفطر في فلسطين مُعبَّقٌ بِعطر مسك الشهادة، والشُهداء وأريج الاستبسال، من الأبطال، وبِنسائم النخوة من الأحرار، وشذا المروءة من الشعب، والمقاومة، والتي لها القرار، ومنها العزيمة الإصرار، والحُوار، إنهم حُماة الأقصى، والديار، صبروا، وصمدوا رغم قُوة نار المدافع، والقصف، والدمَار!.

كانت غزة كعادتها محَضن الأطهار، ومَوطن الكبار، مثلهُا مثلُ الابن البار؛ تدُك الأعداء في “سيف الأقصى” البتار، وتقطع دابر الأشرار، وتدك الأسوار، وتنتصر للقُدس، وتُسرج للمسجد الأقصى من دماء الشهداء الأبرار، ممن قُصفوا من العدو، وصاروا تحت الأنقاض، ولكن أرواحهم كالقناديل الملعقة في القدس تُنيرُ، وتُنَار؛. إن الشهداء الأبرار الأكرم منا جميعًا ترتقي أرواحهم الزكية للعلياء، وسوف نُبحر في أجر الشهداء، جاء في الحَديثِ الصحيح الذي يرويهِ أبو هُريرَةَ عن رسولِ اللهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام قولُه : (ما تعدُّونَ الشَّهيدَ فيكُم ؟ قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، مَن قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ فَهوَ شَهيدٌ؛ قالَ : إنَّ شُهَداءَ أمَّتي إذاً لقليلٌ؛ قالوا : فمَن هم يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ : مَن قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ فَهوَ شَهيدٌ، ومن ماتَ في سبيلِ اللَّهِ فَهوَ شَهيدٌ، ومَن ماتَ في الطَّاعونِ فَهوَ شَهيدٌ، ومَن ماتَ في البَطنِ فَهوَ شَهيدٌ؛ قالَ ابنُ مِقسَمٍ : أشهدُ على أبيكَ في هذا الحديثِ أنَّهُ قالَ : والغَريقُ شَهيدٌ، وثواب الشهداء عظيم عند الله عز وجل، وخصَّ الله الشُّهداءَ بمنازِلَ لا يَصِلُها غيرُهم، ثمَّ وَصفَ حالَهُم بعدَ الموتِ بِعجيبِ ما يُوصَفُ فيهِ مَيِّت؛ فذَكَرهم فَرِحينَ، وذَكَرَهم يَستَبشِرون، وبَشَّرَهُم بِربحٍ مُضاعفٍ لَما خَلَت مِنهُ نواياهُم وسَرائِرهم في دارِ الدُّنيا فلم يَطمَعوا في مالٍ ولا في جاهٍ لِقاءَ ما قَدَّموا، فكانَ الرِّبحُ أعظَمَ وأَجزَل، قالَ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيقْتُلُونَ وَيقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”، قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ )، وفي الآيات بِشارةٌ من اللهِ بأنَّ من ماتَ في سبيلِهِ فهو حيٌ عِندهُ، وتطمينٌ لِمن على أثرِهم أنَّ لَهُم ذاتَ المنزِلَةِ مُستَبشِرينَ بِنَعيمِ اللهِ ورِضوانِه، فَمن أفنى نَفسهُ مُخلِصاً للهِ روحَهُ فإنَّما نَقَلها من حياةٍ فانيةٍ فيها الطيِّبُ والخبيثُ إلى حياةٍ سَرمَديَّةٍ لا تَفنى، ثِمارُها دائِمةٌ غيرُ مَقطوعة، وطيِّباتها غَزيرةٌ غيرُ ممنوعةٍ، ونَعيمُها أبديٌ لا تَقلُّبَ فيه؛؛ والشَّهيدُ مُشَرَّفٌ في مَقامِ الآخرة يقولُ الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)، وتُبيِّنُ الآيةُ الكريمَةُ اصطِفاءَ اللهِ تعالى للشَّهيدِ وتشريفِهِ بالمنْزِلَةِ، حتّى أنَّ ذِكرَهُ كانَ مقروناً بالنبيِّينَ، وأنَّ صُحبَتهُ ومُرافَقَتهُ في الجنَّةِ جُعِلَت مُكافأةً لِمن أطاعَ الله ورَسولَه؛؛ رَوى أنسُ ابنُ مالكَ رضِيَ الله عنهُ أنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنتَ البراءِ، وهي أُمُّ حارثَةَ بنِ سُراقَةَ، أتتِ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ: (يا نَبيَّ اللَّهِ، ألا تُحدِّثُني عن حارثَةَ، وكان قُتِلَ يومَ بَدرٍ، أصابَهُ سهمٌ غَرْبٌ فإن كان في الجنةِ صَبَرتُ، وإنْ كان غيرَ ذلك، اجتَهَدتُ عليهِ في البُكاءِ؟ قال: يا أُمَّ حارثَةَ إنها جِنانٌ في الجنَّةِ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ الفِردَوسَ الأعْلَى)، وهذا وعدٌ خُصَّ بهِ الشَّهيدُ دون غيرِه لِعِظّمِ ما كان عليهِ موتُه؛؛ لا يُعَّذَّبُ الشَّهيدُ حينَ موتِه (رَوى أبو هُريرةَ رضِيَ الله عنهُ عن الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قال: “ما يجدُ الشَّهيدُ من مسِّ القتلِ إلَّا كما يجدُ أحدُكُم من مَسِّ القرصةِ”، وفي هذا الحَديثِ بِشارةٌ لِمن أقبَلَ إلى اللهِ ينوي الموتَ في سَبيلِهِ أنَّهُ لا يجِدُ ما يجِدُهُ ميِّتُ الفِراشِ عندَ موتِه، إنَّما يُسهِّلُ الله ميتةَ الشَّهيدِ، ويُهوِّنِ عليهِ سكراتِه، حتّى قالَ بعضُ العلماءِ أنَّ خروجَ روحِ الشَّهيدِ كعضَّةِ نملة؛ عَمَلُ الشَّهيدِ يُنمَّى له بعدَ موته (عن فضالة بن عُبيدٍ عن رسولِ الله عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام أنَّه قال: كلُّ ميِّتٍ يُختَمُ على عملِهِ إلَّا الَّذي ماتَ مرابطاً في سبيلِ اللهِ؛ فإنَّهُ ينمي لَهُ عملُهُ إلى يومِ القيامةِ، ويأمنُ فتنةِ القبرِ، وسمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ: المجاهدُ من جاهدَ نفسَه”، ذَهَبَ بعضُ المُفسِّرونَ إلى قولِ أنَّ الشَّهيدَ لا يحضُرُهُ المَلكانِ في قَبرهِ لأنَّ ايمانَهُ ثَبتَ بموتِهِ في رباطٍ في سبيلِ الله، وقالَ آخرونَ أنّ المَلكينِ قد يَحضرانِهِ لكنَّهما لا يفتِنانِه بالسُّؤالِ، وإذا قُتِل الشَّهيدُ لم يَنقطِعْ عَملُه الصَّالح، بل يزيدُ، ويتضاعف للشَّهيدِ خِصالٌ ليسَت لِغيره، قالَ رسولُ الله صلَّ الله عليه وسلَّم: “إنَّ للشّهيدِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ سِتَّ خِصالٍ: أن يُغفَرَ له في أولِ دَفعةٍ من دمِه، ويَرى مقعدَه من الجنَّةِ، ويُحَلَّى حُلَّةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجَ من الحُورِ العِينِ، ويُجارَ من عذابِ القبرِ، ويأمنَ من الفزعِ الأكبرِ، ويُوضَعَ على رأسِه تاجُ الوَقارِ الياقوتةُ منه خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويُزَوَّجَ ثِنتَينِ وسبعينَ زوجةً من الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعَ في سبعينَ إنسانًا من أقاربِه””؛ ولذلك نحن اليوم ندفع فاتورة الدم في غزة، ونودع مئات من الشهداء الأبرار الذين ارتقت أرواحهم للعلياء بفعل المجازر الصهيونية البشعة، دفاعاً عن العقيدة، والدين، وعن شرف، وكرامة الأمة العربية والإسلامية، عن المسجد الأقصى المبارك القبلة الأولى؛ الرحمة للشهداء الأبرار، والشفاء العاجل للجرحى البواسل، والنصر لنا، قال تعالي: ويتخذَ منكم شُهداء”؛ وإن جرائم ومجازر عصابة المحتلين  الصهاينة لن تسقط بالتقادم وإننا لمنَتصرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى