أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

عُمان الحِكْمَة في زمن المُتغيْرات السياسية..

الكاتـب/ حـمـد النـاصـري

 

عُمان الحِكْمَة في زمن المُتغيْرات السياسية..

 

قد تكون علاقة الرئيس الأفغاني اشرف غني احمدزي بالإدارة الامريكية خصوصاً وبِحُكومات الغرب عموماً غير خافية على أحَد ، فحين مَنع الدستور الأفغاني الرئيس عبدالله كرزاي للترشّح لولاية ثالثَة كانَ اشرف غني قد قادَ حملة انتخابية ثانية في عام 2014 واُعِيْد انتخابه في 2019 ، وكِلْتا الحملتين كانتا ناجحتين بالمعايير الغربية !!!.

إلّا انه يَبدو ورَغم كونه فتَى امْريكا المفضل لم يُعْجِب دوائر الساسَة الغربيون فالرئيس غَني صَرّح مُنْتَقداً ، المُساعدات الامريكية لأفغانستان ووصَفها بالأمْوال المُهْدَرة وكانَ ذلكَ الانْتِقاد القِشّة التي قصَمت ظَهْر البَعير فنظرة الرَجُل ورُؤيته لمْ تَتّفِق مع رُؤية دول حِلْف الناتو الاسْتراتيجية ، خاصة بما يَتعلّق بِتَسريع عملية السَلام في أفْغانستان ، إذْ وصَف الساسَة الأمْريكان عملية السَلام مع طالبان بالبَطِيئة تارة وبالصَعْبة والمُعَقّدة تارة أخْرى، مما أدّى إلى ظُهور تبايُن واضح بَين غني وبينَ داعِميه المُفترضين مِن قادة حِلْف الناتو.

وفي مُقابلة سابقة مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) قال غَني (المستقبل سيحدده شعب أفغانستان وليس بيد شخص يجلس وراء مكتب وهو يحلم) ، وعلى الرُغم مِن أنه قضَى ِسنين مِن عُمْره خارج أفْغانستان وخصوصاً خلال عقود الحرب الاهليّة وحُكم طالبان ، وقد عَمِل في مَناصِب مُختلفة عندما كانَ مُقيماً في الولايات المتحدة فَعمِل في البنك الدولي وضِمْن طواقم الأمم المتحدة في شرق وجنوب آسيا . وخلال الغزو الأمريكي لأفغانستان اسْتقال غني مِن مَناصِبه الدولية وعاد إلى افغانستان لِيَعمل كبير المُستشارين للرئيس المُعيّن من 2001ـ 2014 ، حامد كرزاي .

ورغم أنّ الرئيس اشْرف غني تعهّد بمحاربة الفساد وإصْلاح الاقتصاد وتحويل افْغانستان إلى مركز إقليمي بين وسط وجنوب آسيا ، لكنه لمْ يَفي بتلك الوعود.!

وكانَ قد تعهّد أيضاً بمحاربة الفساد المُسْتشري وإصْلاح الاقْتصاد المُعَطّل وتحويل البلاد إلى مركز تجاري إقليمي بين وسط وجنوب آسيا، لكنه لمْ يتمكّن مِن الوفاء بمعظم هذه الوعود.؛

وقد وصَفت أهَم الصُحف العالمية (Guardian) البريطانية أنّ الوضْع المُتهالك والفاسِد في أفغانستان أدّى إلى سُقوط كابل وانّها تُمَثّل نهاية الإمْبريالية الغربية ، لما للأحداث الأخيرة مِن رُعْب ألْقَى بِظلالِه على دول الغرب.؛

وذكر الكاتب سيمون جنكينز في المقال المنشور بنفس الصحيفة تعبيراً هو مِن أبْلغ ما وصَفت به الاحداث الأخيرة في أفغانستان (إنه مع كُلّ ما حدث، فإن ردة فعل الغرب ظلت تتسوّل الإيمان بنجاح فرض الديمقراطية على الآخرين) .

ويوم الأحد الفائِت ومع دخول قوات طالبان إلى العاصمة كابل وسَيطرتها السريعة والمُفاجئة عليها تناقلَت وسائل الاعْلام مَعلومات مُؤكدة عَن مُغادرة  الرئيس أشرف غني احمدزي ، بلاده بِصُحْبة عائلته وعشرات المسؤولين الحكوميين الأفغان إلى دولة مجاورة ومِنْها إلى جهة غير مَعروفة .. كما تَداولت وسائل التواصُل الاجتماعي بأنّ وجهته قد تكون إلى دولة خليجية ورُبما يَختار وجْهَته الأخيرة إلى الولايات المُتحدة أو دولة أخرى.؛

ونقلتْ وكالة رويترز بأنّ الرئيس الافغاني اشرف غني في الإمارات .. من خلال بيان وزارة خارجية دولة الامارات بأنّها استقبلتْ أشرف غني وعائلته لأسباب إنسانية ، وقد يكون الرئيس أشْرف غني في طريقه لِلْانْتِقال إلى الولايات المُتحدة لِغَرض اللُجوء إلِيْها .. وجاء الاعلان الاماراتي لِيَحسم جميع الاشاعات التي انْتشرَت حول وجهة الرئيس الأفغاني ومنها إشاعة وصوله الى أرض، السلطنة.

وحتى وإنْ استقبلته عُمان ، فليس ذلك بغريب أبداً على بَلد كعُمان ، فعُمان كانَت ولا تزال وسَتبقى بإذْن الله ملجأ أمَان ومَلاذ الفُرقاء وواحَة الباحثين عَن السَلام بلا أيّ انْحِياز لجهة أو حُكومة وأبْوابها كانَت دوماً مَشرعة لِكُل مَن يَطْرَقها طالباً الأمَان والسلام، حتى يبلغَ مأمَنه فعُمان بَلَد الأمَان والاطْمئنان لِكُل إنْسَان.

وإنْ سَلّمنا بمنطق ما تداول في وسائل التواصل ، فعُمان لا تُوصد أبوابها في وجه راغب يَسْتجير بها وليس ذلك عليها بجديد ، فقد مَنحت العديد مِن الفُرقاء والخصُوم اللُجوء الآمِن واتاحت الفُرص لِلْحوار وانْهاء الصراعات او الخلافات لكنها حَتْماً لنْ تسمح باسْتغلال حمايتها لالْحاق الضَرر المادي أو المعنوي بأيّ جهة، ومِن ثوابت السلطنة ألاّّ تكون أراضِيها او مِياهَها مُنطلقاً لِلعُدوان على أي دولة أو حكومة او دافعاً لِلتآمُر  ضِدّ أحد ، فموقفها الثابِت ثِقة تَعْتَد به في تقوية علاقاتها مع الآخرين .. بلْ هيَ تُسخّر كل إمْكانيات علاقاتها الهادئة لِقُبول الفُرقاء لبَعضهم وتَهْيئة أجْواء الوئام بين الخصُوم وحَلْحَلة قضايا كانَت مُعقّدة أو كادَتْ أنْ تَشْتَعل في حِيْنها فأطْفأتها الحِكْمَة العُمانية بِتَبصّر وبَصِيرة هادئة .

سعادة المكرم إسماعيل الأغبري قال في حديث لـ أثير عُمان .. في 2017  ، عَن مَواقف السَلطنة الثابِتَة وحِكْمَة ساسَتها : (سلطانها أبيض المواقف في تقديم كل ما من شأنه تعزيز العيش المشترك ، ونشر الوئام ، وتمهيد سبل السلام في المنطقة والعالم ، لأنه ، أي “جلالة السلطان قابوس رحمه الله” ، يراعي الإبعاد الإنسانية والحقوقية مع كافة الدول والأمم).

وعلى الجانب الآخر تناقلَت وسائل التواصل الاجتماعي كلمة سماحة الشيخ أحمد الخليلي مُفتي عام السلطنة تضَمّنت تَهنئة الشَعب الأفْغاني وجميع المُسْلِمين على انْتِصاره ودَحْره الغُزاة الطامِعين في ارْضِه ونَهْب ثَرواته ومُقدّراته .. وقال الخليلي في تغريدة عَبْر حسابه الموثّق بـ تويتر : (نهنئ الشعب الأفغاني المسلم الشقيق بالفتح المبين والنصر العزيز على الغزاة المعتدين).

وفي نفس التغريدة أضاف الشيخ الخليلي : (نرجو من الشعب المسلم الشقيق أن يكون يداً واحدة في مواجهة جميع التحديات ، وأن لا تتفرق بهم السُبل وأنْ يَسودهم التسامح والوئام).

وقد أحْدثَت تلكَ التَهنئة رُدود أفْعال قويّة على المُسْتوى العربي والاسلامي فقد كانَ صَوت الشيخ الخليلي هادراً بالحق لا يَخشى في الله لوَمة لائِم في مُسانَدة اخْوانه المُسْلمين في أفغانستان الذي طالما ذاقوا الويْلات والدّمار على أيدي الغُزاة المُعْتدِين.

إنّ المُتابع لتلكَ الأحْداث يَرى أنّ سَلطنة عُمان التي طالما عُرفت سياسَتها بالحِكْمَة والمبادئ الثابتة لم تُغيّر مِن ثوابتها وبقيَت مُلتزمة بعهودها تجاه تأريخها وتجاه العالم كُله ، فمنذ بَدء نِظامَها السياسي قَبْل مِئات السِنين ، لمْ تتَغيّر مواقفها ولا زالَت على عَهْد الأُمَم والشعوب بها  والدَليل هو عدم تغيّر مَواقف السلطنة مَهما تغيّرت المواقف السياسيّة وبقيت مُحافظة على مَبْادئها التي لم يَتعطّل بتعطّل المصالح .. وما المَوقف الأخير مِن الصِراع في أفغانستان ، إلا تمكيناً للثوابت وترسيخاً للمَبْدَأ.

إنّ التكوين الرُوحي والنفسي لِلعُماني جَعله مُؤهّلاً دوماً للاضْطلاع بدور المُخْلص والمُعين مِمّا جعَل مِن عُمان دار أمانْ وبَيت للحِكْمَة ، وذلكَ ما أهّلَ عُمان أيْضاً لِلُعْب دور الوسيط النّزيه والموثوق بهِ في كثير من الصِراعات الإقليمية والدولية ؛ مِمّا جعَل مَسْقط العاصمة مُلْتَقى الفُرقاء والخصُوم ، تُحلّ في رَدهات مَجالِسَها أعْتَى الخلافات وأكْثَرُها تَعْقِيداً.

إذنْ نقول : إنّ سِياسَة الحِكْمَة أو حِكْمَة السِياسَة التي أصْبحتْ عَرينها ومُسْتقرها ، فبلد عَريق كعُمان تنسُج علاقاتها القوية مع الجميع على مبْدأ بيّن ، إسْهاماً منها لِخَلْق توافق بين الأطراف أو توسّطاً بين الفُرقاء والخُصوم وإنْ طال أمده ؛ فعُمان اسمٌ على وزنْ أمانْ ، يَقودها رجُل مِن صُلْب هذه الأرض ومِن خِيْرَة رجالها أمِيْن على َعْهد الأجْداد والآباء ، ذلكَ الرّجُل هو أرْشَد الرّجال وأوْفاهُم فالسُلطان هَيثم بن طارق حفظه الله ، مُلتزم بمبادئهم وحريصٌ على سِيادة وسَلامة كُلّ شِبْر مِن أرض عُمان المِعْطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى