أصداءأقلام الكتاب

غازي القصيبي الكاتب الإنسان..

    الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

د . غازي القصيبي الكاتب الإنسان..

الأحد 16 أغسطس حلت الذكرى العاشرة لوفاة الكاتب الأديب السعودي المبدع الدكتور غازي القصيبي.

لقد كتب عنه عمالقة القلم .. وأسياد الكلمة .. وربابنة البيت والقصيد.

فلا مانع أيضا أن يكتب عنه أصحاب القلم الهزيل والسطر الركيك .. وعشاقه المغمورون من أمثالي.

غازي عبدالرحمن القصيبي .. ربما لا أبالغ لو قلت لكم  بأنني قرأت كل كلمة كتبها هذا الرجل .. فقد كنت من عشاقه .. ومن تابعي أثره .. ومن المنقبين عن آثاره.

كنت أبحث عن كل ما ينشره هناك في بريطانيا أو أمريكا أو في الرياض أو في باريس أو المنامة أو في القاهرة أو في بيروت.

وإذا ما صدر له كتاب .. كتت أتكبد المشاق للحصول عليه .. والإمساك به.

كان  البروفسور غازي من كل محطاته البعيدة يبعث لنا جواهره ودرره .. ولا يبخل علينا بها.

كان كريما مع محبيه درجة الإغداق والسخاء.

فكنت أستقبل كتاباته ومقالاته أستقبال الأرض العطشى للمطر .. أروي بها ظمأي .. وأسقي بها شغفي.

الدكتور غازي القصيبي لم يكن بالنسبة لي مجرد كاتب كان يحسن رسم الكلمات .. ويتقن تلوين السطور .. ويلهب المشاعر.

غازي كان الإنسان الشاعر المرهف الدمث ..

المتواضع .. الجسور .. المبدع.

غازي المبدع الرائع الصادق .. كتاباته ترجمت مواقفه الرجولية .. وسطوره كشفت نصاعة ضميره وبياض قلبه .. ونقاء معدنه.

غازي القصيبي كان أدبيا من الدرجة الرفيعة ..

صاحب الكلمة المرهفة والعبارة الجزلة .. والجملة الانيقة الرشيقة.

غازي القصيبي له  إصدارات لا تتجاوز عدد أصابع البدين .. كتابات قليلة .. بسيطة لا يليق عددها بهامته الأدبية لكنها كانت من أروع الأدبيات التي كتبت في الخليج العربي منحته حق التربع فوق قمة الهرم الأدبي في المنطقة.

البروفسور غازي القصيبي كان مبدعا .. متعدد المواهب.

كان فيلسوفا عميقا .. وكان سياسيا محنكا .. وكان كاتبا لامعا .. وكان شاعرا كبيرا وكان محاميا رفيعا .. وكان محاسبا تجاريا أيضا.

إنه موسوعة علمية وإنسانية نادرة.

من غرائب حياة الراحل أنه ولد يتيما ..

فقد وصف مرة حياته بالتَّعِسَة الكئيبة، حيث أنه لم يرشف حليب الحنان الطري، ولم يستمتع بالعاطفة الأبوية الرقيقة في طفولته .. ولكن هذا ليس بغريب .. فكل عمالقة الأدب ومصابيح النور في العالم عاشوا فقراء .. أيتام .. تعساء.

فالموهبون والمبدعون يولدون من رحم المعاناة .. ويخرجون من صلب الألم وبراثن الشقاء.

إستطاع غازي القصيبي أن يتجاوز كل العقبات.

وأن يقفز فوق كل الأسوأر والأشواك، ليستقر في قمة الجدار .. ويحلق في سماء الفكر والإبداع.

وصل إلى منصب عميد كلية التجارة في جامعة الملك سعود .. وهو منصب لا يصله إلإ من يملك الموهبة والكفاءة.

ربما سيقول لي البعض ليس شرطا .. فهناك كثير من الهزلاء .. والمترهلين والذين وصلوا إلى درجة رئاسة جامعات.

نعم صحيح .. فتاريخ وإمكانيات كل شخص معروفة .. ولكل مبدع آثاره على الأرض.

فمن وصل بكفاءة وإقتدار فلا يختلف إثنين في قدراته ومواهبه.

ومن وصل مدفوعا .. ملفوفا .. مغلفا في صندوق أنيق ومرسولا إلى منصبه .. فالجميع يعرفه .. ويعرف حكايته وقصته السخيفة !!..

والناس شهداء على الناس.

تنقل الدكتور  غازي القصيبي في عدة مناصب وزارية .. فشغل  منصب وزير الصناعة ووزير الصحة ووزير الكهرباء .. ووزير العمل.

ثم اتجه إلى السلك الدبلوماسي فتفوق فيه بكل كفاءة ومهارة واقتدار .. فأصبح سفيرا لدولته لدى بريطانيا.

كان غازي صاحب ضمير  يقظ .. يملك قلما حساسا متألقا .. ظهر ذلك واضحا بارزا  من كتاباته وابداعاته التي اتسمت بالحكمة والعمق والروعة  والرشاقة و الجمال والإناقة.

نال جوائز بارزة في مناسبات مختلفة لعل أبرزها وسام الملك عبدالعزيز.

عرف عن غازي القصيبي أنه كان متواضعا للغاية ولم يكن صائد جوائز ولا متسلقا .. ولا متملقا .. ولم يكن منافقا ولا متكبرا .. وهذه الصفات هي من رفعت قدره بين الناس .. ومكنته من الارتقاء في قلوب متابعيه ومحبيه.

فهذه السجايا لا يتمتع بها  إلا فئة نادرة جدا من المسؤولين أو الكتاب المشهورين.

فالمنصب والمال الشهرة حين تصطدم بقلوب الحمقى والسفهاء تتحول إلى كبر وفجور وغطرسة .. إلا ما رحم الله .. من أمثال الدكتور غازي رحمه الله.

كان الدكتور  غازي صاحب شخصية قوية ثابتة لا تتلون ولا تتبدل .. حيث كان غالبا ما  يختلف مع رؤسائه من الأسرة الحاكمة في جوانب كثيرة ليعبر عنها صراحة إما  مكتوبة أو منطوقة.

وهذا مالم يجرؤ عليه أحد  من قبله من الوزراء .. ولا من بعده  طبعا !!.

ولذلك دفع ثمن ذلك بإبعاده  عن منصبه .. فعاش سنواته العشرين الأخيرة في مملكة البحرين .. متفرغا  للكتابة والشعر .. وإلقاء المحاضرات ونثر الحكم والفلسفات.

يطلق عليه من يعرفوه حق المعرفة بأنه أعظم مفكر وأديب أنجبته المملكة في العصر الحديث.

من بين أروع ما قاله غازي القصيبي :

(مازالت الهوة كببرة جدا بيننا وبين طبقتنا الحاكمة .. لذلك لا  زال الطريق طويلا  أمامنا  لنتطور بطريقة صحيحة .. !!

(رحمك الله يا “أبا سهيل”.. وغفر لك .. وأسكنك فسيح جناته).

ملاحظة

“أنصح كل من يملك موهبة القراءة وشغف الإطلاع، إقتناء كل كتب الدكتور غازي القصيبي .. ولن يندم أبدا …”.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق