أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

فـضـفـضـة فـي المـقـبـرة ..!!

 

فـضـفـضـة فـي المـقـبـرة ..!!

 

1/

كنت أشاهد فيلما أمريكيا ..

فيلما هادئا جدا .. وبعيدا عن ضجيج الأكشن وصخب البوكسنج  والرصاص ..

الجانب الذي اثارني وجذبني جدا في الفيلم هو ان بطل الفيلم او بمعنى اصح شخصية الفيلم الرئيسة كان يقوم بعمل رائع في نهاية كل اسبوع .. 

ماذا تتوقعون أن يكون هذا العمل الأسبوعي الذي يقوم به هذا الرجل؟..!

طبعا مهما تخيلتم فلن تصلوا إلى معرفة هذا العمل .. لان مثل هذه الأعمال لا يقوم بها إلا القلة النادرة من الناس .. هم أولئك الذين تربطهم بالأموات علاقة غير عادية بالمرة ..

هذا الرجل كان يذهب إلى المقبرة في كل اسبوع لزيارة قبر والدته

طبعا .. ليست زيارته تلك زيارة عادية .. لا ابدا ..

كان يزورها زيارة مميزة ..

يدخل المقبرة .. مقبرة منظمة .. نظيفة .. هادئة .. وجميلة .. 

القبور مرتبة ترتيبا جميلا .. مقبرة لها مسارات للمشي .. وأماكن للتحرك والجلوس فيها بحرية دون أن تقف على رأس ميت .. او تجلس على بطنه .. أو تكسر جمجمته .

مقبرة تحترم الآدميين كبشر .. لهم حق الصيانة والرعاية والاهتمام أحياء وأمواتا ..! 

كان الرجل يذهب إلى المقبرة كل اسبوع لزيارة والدته …

الشيء المذهل أنه كان يحضر معه كل ما كانت تحبه والدته ..

 كان يحضر لها شرابها المفضل .. ويحضر لها زهورها المفضلة .. والشيء العجيب انه كان يحضر معه جريدتها المميزة .. ويقرأ لها صفحتها المحببة ..

كان قد جلب كرسيا صغيرا من قبل ..  وكان يضعه خلف شاهد القبر..

فيأتي ويضع الزهور والشراب .. ثم يسحب كرسيه .. ثم يجلس و يبدأ بالتحدث مع والدته الميتة وكأنها جالسة بجانبه ..

يخبرها بكل التفاصيل التي عاشها في اسبوعه الماضي .. ويشرح لها مواقفه واحداثه..  ويعتذر لها عن أخطائه وفواحشه .. ويذرف أمامها بعض الدموع على سقطاته و زلاته ..

ثم يبدأ بفتح الجريدة ..

ويقرأ لها كل عناوين الجريدة .. ثم يفتح صفحتها المفضلة ويقرأها لها كاملة .. بهدوء تام

.. ساعتين كاملتين ..

 يظل جالسا ملتزما منضبطا غاية الانضباط أمام قبر والدته ..

ثم ينصرف بأدب واحترام كما عاد..

أليس هذا عملا عجيبا .. ورائعا .. و مثيرا  للدهشة ..

2 / 

بصراحة شعرت بالحقارة والتآكل أمام هذه الصورة النادرة ..

رجل غير مسلم يحترم والدته ويبرها بعد موتها بشكل غير عادي .. ونحن المسلمين نكاد ننسى موتانا نهائيا بعد أن نواريهم التراب ..

3/ 

(حادثة في المقبرة)..

تعالوا  الى مقابرنا العجيبة ..

تدخل المقبرة ولا تعرف أي اتجاه تسلك  ..

لا تعرف أين تضع قدمك ..

تارة تدوس على قبر .. وتارة تغوص  قدمك في  حفرة قديمة قد تكون قبرا مندثرا .. .. وتارة تدوس على بطن أحد الأموات الراقدين بسلام منذ عشرات السنين ..

قبور مبعثرة على اليمين وعلى الشمال ..

ولا أنسى في إحدى الأمسيات حادثة تراجيدية مؤلمة وقعت أمامنا …  كنا نحمل جنازة .. ونلف بها حول القبور نبحث عن قبر جاهز .. الإضاءة كانت ضعيفة جدا .. بالكاد يرى الناس شواهد القبور المندثرة …

حملة النعش هنا ..  والمشيعين خلفهم  هناك .. والجميع يبحث عن طريق للوصول إلى القبر المنشود ..

وحين انتهينا من دفن الميت وتسليمه إلى السماوات عثرت قدم أحد المشيعين وهو صديق عزيز وزميل عمل .. عثرت قدمه في حفرة انكسرت على إثرها عظمة ساقه اليمنى مباشرة  ..

وظل الرجل يعاني أكثر من سنتين حتى التأم الكسر وبرئى .. وتعافت  القدم ..

والكثير  عرف وسمع بهذا  الحادث وحوادث أخرى شبيهه تتكرر بانتظام  في مقابرنا.

مقابر مخيفة ومرعبة ..

تارة يحفرون القبور في جانب جديد من المقبرة ..

ثم تتفاجأ بعد فترة .. بأنهم يحملون ميتا الى حفرة في الجزء القديم من المقبرة لإزعاج أولئك الذين دفنوا  منذ عشرين عاما أو أكثر ..

ليس هناك جهة تهتم بالمقابر .. وليس هناك من يحافظ عليها ويصونها ويحفظها .. ويخططها و ينظمها ويرعاها ويقوم  عليها ..

هي مجرد حفر .. وجثث  وأكداس من التراب .. داخل أسوار متهالكة.

الأبواب مفتوحة مشرعة للكلاب  والدواب و الهوام  ..

ولكن ارجع واقول  كما قال المصريين الحكماء : الحي أبقى واهم من الميت !!!

4/ 

كنت ازور قبر والدتي منذ سنتين .. وانقطعت عن زيارتها … أنستني الدنيا اللعينة أمي وأبي وأحبتي الذين دفنتهم ..

ثم جئت لزيارة قبرها بعد مشاهدة هذا الفيلم وإحساسي بالغيرة من سلوك بطل الفي فلم اعرف أين مكانه ..

حاولت تذكر المكان وتحديد موقع القبر  .. فلم أفلح  .. فقد حاصرته الحفر و القبور  من كل الجوانب .. حتى التصقت ببعضها لدرجة أنك من الصعب أن تفرز القبور عن بعضها البعض .

سألت كل الراقدين بسلام  عن مكانها .. ولم يجبني سوى كلب اعرج إزعجه وجودي وأفزعه وقوفي   

5 / 

لن تصدقوني لو  قلت لكم بأنني كنت اتمنى ان أعمل بوظيفة  (حارس مقبرة) نعم  حارس مقبرة ..

 كنت فعلا اتوق لهكذا وظيفة لكن هذه الوظيفة للأسف  ليست مدرجة ضمن وظائف الحكومة .. فقامت الكلاب السائبة بهذه المهمة ووفرت على الحكومة راتب الحارس وهمومه وعلاج اوجاعه وبيسات تقاعده  ..

كنت أتمنى مجاورة الموتى وحرق الوقت معهم والجلوس بمعيتهم  .

كنت اتمنى أن  اكون أقل قسوة معهم من أولئك الذين تركوهم ونسوا شواهد ومواقع قبورهم .

كنت اتمنى المشي كل صباح بين القبور والسلام على كل قبر ..

يفترض من حارس القبور أن يعرف  كل قبر وصاحبه وربما جزء من سيرته وتاريخه..

كنت اتمنى أن أطوف عليهم كل يوم اخاطبهم بأسمائهم  واحادثهم فيما كانوا يحبون ويعشقون قبل موتهم و ألقي على كل واحد منهم  نكتة طريفة يقهقه لها  ويضئ بها وحشته وظلمة قبره. 

وفي الليالي القمرية اضع كرسيا وسط المقبرة أقرأ لهم    حكايات الف ليلة وليلة و  عنترة والزير سالم وأبو زيد الهلالي والتاريخ العربي المضحك.  

واطرد الحيوانات الصغيرة التي تحاول أن تزعج لياليهم وتنهش أحلامهم .

هولاء الراقدين الهامدين الصامتين يستحقون من يتحدث معهم .. ويبدد وحشتهم ويقتل مللهم ويؤنس وحدتهم..

6/ 

هل أمي تعرف الآن  بأنني هنا أحاول معرفة مكان قبرها  ..؟؟

والآخرون الذين يجاورونها هل يشعرون بالغيرة من زيارتي لها ويتأسفون على احبة وأبناء  صرفوا  العمر لهم  وحرقوا السنين  لاجلهم فتركوهم للتراب والطين ..؟؟

من غرائب الموت أنه الحقيقة الوحيدة الجلية الناصعة ..

حقيقة ناصعة لكنها مخفية بأسوار متهالكة .. وأبواب متصدعة.

يالها من أعجوبة ..

 نمارس الكذبة الكبرى  بكل مهارة وشجاعة وتفان ونفاق وجهاد وإتقان وكفاح  .. وندفن الحقيقة الكبرى  في مقبرة متهالكة تكسوها نباتات الثرمد وتنام فيها الكلاب السائبة  .

7 / 

لا أدري

هل لو زرعنا بين القبور شجيرات ظليلة ستخفف عن أصحاب القبور اللهيب وتطفئ عن صدورهم  الفزع  !!!.

لعل أجمل ما في الموت أن الجميع يتساوون معه ..

الغني والثري والمتغطرس والجبار والفرعون يتساوون مع المسكين والفقير والضعيف والمنكسر .

في المقبرة  لا توجد شواهد تحمل أرقاما أحادية أو ثنائية مميزة .. ولا ترصع الأكفان بالتيجان والسيوف والخناجر 

كلهم في نفس الدرجة الترابية.

الكل هنا مع  التراب ومع الملح وبين  كائنات صغيرة لا اعرف نوعها ولا جنسها تمارس وظيفتها الترابية والبيولوجية  .

8 / 

كنا لا نعرف الموت ولا نفهمه ولكن حين سرق منا الموت احبتنا قتلنا بكثافة واوجعنا بقسوة  درجة تتجاوز قسوة الموت .

ولكن حين نموت نحن  نكون ممتنيين للموت لانه خلصنا من كابوس فظيع  يسمى  الحياة  .

طبعا سنكتشف بإن الموت راحة عظيمة حين ندرك بأننا قطعنا دروب الحياة بقلوب رقيقة وأفئدة  رحيمة وأرواح نقية .

أصحاب القلوب الرقيقة  الرحيمة هم فقط من يدركون  بأن الحياة كابوس فظيع سيأتي الموت على صهوة جواده أشهب ويقتلع رأسه  .

9 / 

قريبا سأكون بجوارك يا امي .. قريبا جدا .. أشعر بأنني  اكتفيت من الحياة  درجة التخمة اكتفيت بما حققته فيها…

اكتفيت من الأخطاء والأوجاع والاشواك..

اكتفيت من الضحكات والقهقهات والصرخات ..

اكتفيت من الأكاذيب والعبث والقرف واللاعيب .

  اكتفيت بما دمرته وبما بنيته .

اكتفيت بما زرعته وبما أحرقته .

اكتفيت بما صنعته وبما كسرته ومزقته .

10 / 

أروع ما في الموت هو اقترابك من أولئك الذين تفتقدهم بعنف وتشتاقهم بلهفة  ..

وتشعر بأن الأرض سرقتهم منك 

فعشت بعدهم ناقصا مبتورا مترنحا .

لعل وعسى قريبا  أنام  بجوار  قبر  أمي  وأصخي السمع وأنا تحت التراب لأي حذاء سيضل طريقه إلي  ويتوقف خلف  شاهد قبري  ويهمس بلوعة وحرقة وحنين   :

(لقد اشتقنا إليك يا أبي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى