أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

فــن الــرد..

رحمة بنت مبارك السلماني

 

فــن الــرد..

 

في اعتقادي أن الكثير منا يتمنى أحياناً كثيرة لو يمتلك فن التعامل مع الآخرين، وبالأخص المتغطرسين كي يتمكن من الرد السريع لإلجام المتبجحين الذين يحشرون أنوفهم فيما لا يعنيهم، وكسر جماح المتباهين بأنفسهم والذين يتفننون في التنقيب عن عيوب الآخرين وتصيّد أخطائهم، رغم أنهم مثقلون بالعيوب وبالأخطاء، ومنازلة أولئك المتنمرين المغرورين والتصدي لهم، فالتنمر ليس محصوراً في فئة عمرية محددة بل يتمدد ليشمل كل الأعمار.

حين تعلّق إحداهن على أخرى “اللهم لا شماتة، نحافتك مشوهة لمقاييس الأنوثة” دون أن تعلم سبب نحافتها التي قد تكون لمرض أو بسبب حالة نفسية – لا قدّر الله-، أو ربما تكون عانت الأمرين لتزيد وزنها ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل، وأخرى تتساءل بخبث: “لماذا تزوجتِ فلان وهو دون مستواك؟”، وآخر يعلّق وهو يطلق ضحكته الساخرة:” عليك أن تتخلص من باقي أسنانك لتبدو ابتسامتك أكثر سحراً”، وآخر متسائلاً بسخرية : “لماذا لا اشتريت أو بنيت بيتك في المنطقة الفلانية؟”.

في الواقع قد تختلف ردات الأفعال بين الناس حيال المتنمرين، ولكن الكثيرين يلوذون بالصمت كاتمين جروحهم وما تسبب به الآخرون من إحراج لهم وهم يدسون مشاعرهم التي انصهرت كالجليد، أو يقاومون غضبهم الذي ثار كالبركان، حين لا يجدون الكلمات المناسبة، أو الرد المناسب ليسعفهم في الوقت المناسب، لردع المتكبرين الذين يظنون أنهم سيخرقون الأرض أو يبلغون الجبال طولاً، وهم في الواقع يحترقون غيظاً وكمداً، وغيرةً وحقداً؛ لشعورهم بالنقص أو عدم الثقة بالنفس.

لنحاول أن نسترجع كم من المرات التي حشرنا أنفسنا فيما لا يعنينا، وأطلقنا العنان لفضولنا وألسنتنا السامة وكلماتنا الجارحة التي أُطلقت بقصد أو ربما دون قصد، وكم من المرات التي جلدنا فيها ذواتنا، ونحن نحاول أن نمحو مواقف مرة ومحرجة من الذاكرة، وكم من المرات التي حاولنا فيها تناسي إخفاقاتنا في نسيان المواقف السيئة أو الهروب من الشعور بالخيبة حيالها، علموا أنفسكم نبذ التنمر والنظر إلى عيوب الآخرين قبل أن تعلموا أبنائكم، فأنتم من تصنعون أبناء متنمرين وتغذون هوايتهم، فيبدعون فيها ويمارسونها باحتراف في المدرسة والشارع والحي وحتى في المسجد.

من الجيد أن تعبّر عن إعجابك بشيء وتتحدث بصدق، سيكون إبداء إعجابك باعثاً للسعادة والطمأنينة في النفس، وحافزاً لتقديم الأفضل والتطور للأحسن، عش ممتلئاً بالحب والعطاء، ولكن إن لم يكن لديك كلمة طيبة تتفوه بها فحبذا لو تتجمّل بالسكوت، ولا تحطم النفوس وتهدم المعنويات بوقاحتك، متذرّعاً بأنك صريح لا تنافق ولا تحب المجاملات، لأن جمال الأخلاق هو الفيصل، فأنت ليس لك الحق في الحكم على الناس من مظاهرهم أو هيئاتهم، فلكل منهم ظروفه وإمكانياته التي يتصرف ويصرف في حدودها.

في المقابل لا تؤذوا أنفسكم وانسحبوا من كل العلاقات الثقيلة المرهقة التي تسرق الراحة وتحرق البهجة، وتوقفوا عن اختلاق الحجج والأعذار لمن لا يستحقون، وتسلّحوا بالحكمة وسرعة البديهة وحسن التصرف، وتأملوا الجمال بدواخلكم وحولكم حتى تتقنوا التفكير الجيد والإيجابي، وابعدوا أنظاركم عن كل قبيح لتستمتعوا بجمال الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى