أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

فن القيافة وبناء الشخصية في الحبكة الدرامية..

الدكتور/ نعيم الأزهر ميساوي

 

فن القيافة وبناء الشخصية في الحبكة الدرامية..

 

المسرح هذا الركح البديع والعالم الفسيح، بشخصياته ولغته وأحداثه وأزمانه ووقائعه، وما ينهض فيه من خصيب الفكر الخيال، قد يتخذ لنفسه عدة أوجه، ويرتدي في هيئته مائة رداء، ويتلون بمائة لون، ويتشكل أمام المتفرّج تحت مائة شكل ومثال وهو “فعل كينونة وحرية، وتحرر، ووجود، وتداخل خصب بين أفعال الأداء، والتلقي، والتخيّل، والاستماع” وذلك ربما ما يعسر تعريفه أحيانا تعريفا دقيقا، وذلك لأننا نلفي المسرح يشترك مع الأجناس الفنية الأخرى بمقدار ما يتميّز عنها بخصائصه وتركيبته التقنية وأشكاله الموضوعيّة والمفهوميّة، أما في ما يخص اشتراكه مع الموروث الحكائي والأسطورة والأمثلة، فانّ المسرح يأخذ شيئا من باقي الاجناس الأدبية العريقة، وذلك على أساس أن الفعل المسرحي بوجه عام لا يلقي أي امتناع في أن يشحن نصّه المسرحي بالمأثورات والحكايات الشعبية والمظاهر الأسطورية والملحمية القديمة مادامت تخدم وتثري العمل المسرحي و مادامت تؤمن الصدق الفني “الذي يؤمن الممثل بوجوده، فالصدق والايمان متلازمان في الوجود ومن دونهما لا وجود للعمل الخلاق على المسرح“.

ولما كان فن المسرح ينهض على الممثل كمحور الخشبة وسيدها، كان أيضا لا بدّ من مستلزمات شكلية وتشكيلية تساعده في ابراز وتأكيد عمله وتبيانه بالصورة المثلى التي يطمح إليها بمعيّة فريق العمل الذي سخر الإضاءة والأزياء والديكور والإكسسوار إلى جانب فن القيافة كأليات عملية قد تتطلب من المتلقي بالضرورة تخصيص قراءته للعمل المسرحي من العام الى الخاص. أي من تمظهرات العمل على الركح نحو التدقيق في اليات ولادته الفنية، ليتشكل فن القيافة خاصة كفن من أقدم العناصر الأساسية في فن الدراما منذ الاغريق والرّومان وحتى عصر النهضة,ويلعب الماكياج دورا مسهبا في الدفع بالنسق الدرامي لتتجلى أهمية المقيف والقيافة  تلك العملية “البسيطة” في ظاهرها التي تقوم بتزويق الوجه وتزيينه وتقديمه ضمن السياق الذي رسمه المخرج لشخوصه، كعنصر لا غنى عنه لا يقل أهمية عن أدوات الممثل التعبيرية وذخيرته الأساسية كدور الحركة والصوت بالإضافة إلى لغة الجسد، ونحن نعلم جيدا ما تمثله قراءة الجسد الفينومينولوجي الظاهراتي، هذا الجسد الحسي الحي الحاضر بتجذره في طبيعته وعالم، بالنسبة للفنان كدلالة ذهنية وكمفهوم إدراكي ينجذب نحوه عالم بأسره، بما هو كيان قادر على القيام بكثير من أنواع الفعل الإبداعي، والمختلف عن الجسد الموضوع المدروس مثلا في علم التشريح والمناهج التحليلية التجزيئية بصفة عامة أو تلك الكتلة الفيزيائية الكيميائية والآلية حسب فلسفة ديكارت، وإنما الجسد في المسرح هو تجربة الوجود في العالم وتجربة الكينونة بكل غموضها وكيفيات التباسها.

إن مساهمة الماكياج في تبيان عمل الممثل وتأطيره التأطير الأمثل حسب الوقائع والتاريخ والحيز المكاني والزماني للعمل المراد تشكيله هو في نهايته تقمص للشخصية المراد تقديمها لأن وجه وجسم الممثل وهو يؤدي دوره على الركح بمسافة قد تتفاوت من متفرّج الى آخر، تحت ضوء طبيعي أو اصطناعي، حاد أو خافت، ملوّن أو غير ملوّن، كل هذا يستلزم أسلوبا ونوعا من القيافة لتحديد ملامح هذه الشخصية. ان هذه الشخصية المحور هي الأساس والظاهر والباطن على المسرح، انها ذلك القناع الذي يتشكل ويتلون و يتحرك بقدرته الجسدية الموجهة بقدرة اخراج محكمة، اخراج يعيد لفن الماكياج ديناميكيته الحقيقية بغية ابراز هذه الشخصية لا فقط في مستوى شكلها الخارجي ومدى جاذبيتها لكل الثقافات والحضارات والهواجس و طبائع ومشارب الناس التي ليس لتباينها واختلافها من حدو، لتتشكل من جديد ضمن قراءة فنية يكتب عنها فوق خشبة المسرح، هذا طبعا دون التغافل عن علاقة هذا الفن “القيافة” بباقي العناصر الأخرى التي تكمل العمل الدرامي والتي لا تقل أهمية عنه والتي سنرى مدى ترابطها فيم بعضها البعض وكيف أنها تسخر كلّها لدفع الشخصية نحو الحدث المسرحي الذي أوكل المخرج إليها إنجازه، من هنا كانت فكرة البحث في هذا الطرح المسرحي حول فن القيافة  ودورها في إبراز الشخصية المسرحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى