أصداءأقلام الكتاب

قراءة في كتاب : “فايق عبد الجليل : رحلة الإبداع و الأَسْر و الشهادة”..

    فـهـد الجـهـوري – كاتـب

        almnsi2020@gmail.com

 

فائق عبد الجليل : رحلة الإبداع و الأَسْر و الشهادة

 

الشاعر لا يموت فكلماته هي الروح الحقيقية المنبثقة من جسده الفاني ..

كنت اتمتم بهذه الكلمات مع نفسي وأنا أنهي الصفحات الأخيرة للكتاب الذي يوثق السيرة الذاتية لواحد من بين أهم الشعراء الخليجيين (فائق عبد الجليل) ، والذي يحمل عنوان فائق عبد الجليل : رحلة الإبداع و الأَسْر و الشهادة.
إستطاع مؤلف الكتاب ، الكاتب حمد الحمد أن ينقل لنا تفاصيل رحلة الإبداع التي رافقت فائق عبد الجليل منذ شبابه ، والألم له ولعائلته التي عانت ما عانت بسبب إعتقاله أثناء الغزو العراقي للكويت وصولا لإعدامه ، ولكن الحقيقة أن فائق عبد الجليل لم يعدم بل أعُدمت كلمات تأثرت بها أجيال ولا زالت.
قدم لنا الكاتب حمد الحمد سرداً بسيطاً وبلغة سهلة كسهولة الكلمات بقصائد الراحل فائق عبد الجليل ، التي تغنى بها كبار المطربين الخليجيين أمثال : فنان العرب محمد عبده ، والعملاق أبو بكر سالم ، وصوت الأرض طلال مداح ، وأخطبوط العود عبادي الجوهر ، والصوت الجريح عبدالكريم عبدالقادر وغيرهم …
رحل فائق وبقيت الكثير من قصائده خالدة نرددها تارة ، ونسمعها مغناه تارة أخرى ، فمن منا لا يتذكر رائعته التي تغنى بها فنان العرب محمد عبده والتي تحمل عنوان (وهم) .. التي تقول كلماتها :
وهم كل المواعيد وهم
تعب كل المواعيد تعب
باسم الحب باسم الشوق
مأساتي معاك تزيد
وأتم بعيد وتتم بعيد
وأتم مثل الحزن
أنطر سحابة عيد
أجي ملهوف عطش
تحت المطر ملهوف
وقتي يطوف
لوني ضايع ومخطوف
يضيع الشارع بصمتي
وصمت الانتظار سيوف
وكل ما مر وهم صوبي
أقول أنتي
إكذبت العيون والموعد وهم
ألم كل ساعة وكل لحظة ألم
وين عيون حبتني ومنتني
وقالت لي نعم
تلاشت فرحتي
وتاهت خطوتي
وحلم كبير في لحظة انهدم
ورغم أن أغنية وهم حققت نجاحاً كبيراً إلا أن شاعرنا الكبير كانت إنطلاقته الحقيقية من خلال قصيدته (إبعاد) ، التي ترجمت إلى عدة لغات عالمية والتي تغنى بها كذلك أبو نوره محمد عبده.
ولأن الشاعر من وجهة نظري المتواضعة عبارة عن كتلة أحاسيس ، كلما وجدت موقفاً إنسانياً كان أو عاطفياً إنبثقت منها الكلمات بكل صدق وشفافية وإنسيابية ، ومن تلك المواقف التي نقلها لنا الكاتب حمد الحمد لحكاية كتابة واحدة من أشهر قصائده ، التي تغنى بها فنان العرب محمد عبده والتي حملت عنوان (المعازيم) ، ونقلها المؤلف بلسان إبن الراحل فارس فائق عبد الجليل ، فيقول ما نصه :
كان والدي في فترة الثمانينيات نجم في الساحة الأدبية و الغنائية ، لهذا كان يتردد عليه كثير من الفنانين و المعجبين بأشعاره بقصد التعارف ، أو الحصول على أشعاره كأغانِ لهم ، وكان يستقبل الجميع بود ومحبة وعقد مع البعض صداقة ، ومن هؤلاء الذين يترددون عليه شاب كان يمارس الغناء في الحفلات الخاصة ، وصوته جميل ولكن غير معروف جماهيرياً ، وفي أحد الأيام وبينما فائق يجلس معه ، راح ذلك الشاب يفتح صدره ، ويتحدث عن حياته الخاصة حيث روى حكايته مع فتاة كان له معها علاقة حب جارف ، ولكن لم تنتهِ كما تمنى بالزواج لفوارق اجتماعية.
وراح يحكى ذلك الشاب عما حدث له في ليلة ما ، حيث كان يغني في إحدى الحفلات الخاصة ، وبينما هو يؤدي وصلته ، إلا وتلك الفتاة التي ذكرها تدخل الحفل بكامل زينتها ، حيث كانت مدعوة ضمن المعازيم ، هنا وقعت عيناه على عينيها ، وكان في حرج كبير ، فهي لم تكن تعلم أنه يغني في الحفلات الخاصة ، وهو لم يتوقع أن تتقابل معه في تلك اللحظة ، حيث تجدد الجرح و الحب القديم.
ومن صعوبة الموقف راح ذلك الشاب يغني ، وكأنه يخاطبها بإحساس لم يعهده من قبل ، ولم يعهد أنه غنى من قبل بمثل تلك الليلة ، روى الشاب ما في صدره لفائق وغادر ، بدون أن يعي أن تلك الصورة رسخت في ذهن شاعرنا ، و أنها ستكون مدخلاً لقصيدة جميلة ، وهنا نورد كلمات القصيدة التي قرضتها قريحة الشاعر المرهف بإحساس الشاب صاحب المعاناة :
يوم اقبلت .. صوت لها جرحي القديم
يوم اقبلت .. طرنا لها انا وشوقي والنسيم
وعيونها ..
عين إلمحتني وشهقت
وعين إحضنت عيني وبكت
يافرحتي .. الحظ الليله كريم
محبوبتي معزومه من ضمن المعازيم
في زحمة الناس صعبه حالتي
فجأه اختلف لوني وضاعت خطوتي ..
مثلي وقفت تلمس جروحي وحيرتي
بعيده وقفت وأنا بعيد بلهفتي
ماحد عرف اللي حصل
وماحد لمس مثلي الأمل
كل ابتسامه مهاجره جات رجعت لشفتي
وكل الدروب الضايعه مني تنادي خطوتي
ويا رحلة الغربة .. وداعا رحلتي
ويافرحتي .. الحظ الليله كريم
محبوبتي معزومه من ضمن المعازيم
ياعيون الكون غضي بالنظر
إتركينا اثتين عين تحكي لعين
إتركينا الشوق ماخلى حذر
بلا خوف بنلتقي .. وبلا حيرة بنلتقي
بالتقي بعيونها .. وعيونها أحلى وطن .. وكل الأمان
كل ابتسام’ مهاجرة جات رجعت لشفتي
وكل الدروب الضايعه مني تنادي خطوتي
ويا رحلة الغربة .. وداعا رحلتي
ويافرحتي .. الحظ الليله كريم
محبوبتي معزومه من ضمن المعازيم
فائق عبد الجليل لم يكن إلا حالة متكاملة ، المفترض أن يكون عليها الشاعر والفنان و الأديب ، وقبل كل شيء الإنسان الذي رفض أن يترك تراب وطنه الكويت للمحتل ، وساهم هو ورفاقه برفع الروح المعنوية لجيوب المقاومة الكويتية بالكلمة واللحن ، مما جعلهم تحت مراقبة أعين المخابرات العراقية حتى تم إلقاء القبض عليه هو ورفاقه وترحيلهم للعراق ، ويكون بذلك أشهر أسير كويتي لدى النظام العراقي في حينه.
ماذا قال فائق عبد الجليل لزوجته أم فارس في الرسالة الأخيرة التي وجدتها عائلته على مكتبه بعد التحرير ؟؟!!!
(الغالية أم فارس ..
تحية محبة .. تقديرلك والأولاد .. أرجوا أن تكونوا صامدين في الغربة .. مثلما أنا صامد هنا في الوطن .. اليوم الجمعة .. الوقت الساعة الرابعة فجراً .. المكان غرفة نومي .. وتحت ضوء الأبجورة التي تلتحم برأسي باستمرار .. لقد وعدتك أن اغادر الكويت الخميس .. ذهبت وجلست أتصفح أفكاري التي تتكاثر ثم تصبح فكرة واحدة .. وهي فكرة البقاء .. كل أفكار الرحيل التي أتت إلي كانت مهزوزة وغير ثابتة وغير مستقرة إلا فكرة البقاء ، كانت هي الأكثر ثباتاً و الأكثر قوة .. فقد اكتشفت أن البقاء في الكويت يعطيني المناعة .. والقوة .. و الصلابة .. وبقائي هنا لا يعني أنني غير محتاج لكم .. أنا في أشد الحاجة لكم .. لكن الكويت بأمس الحاجة لي .. قوموا بواجبكم الوطني في الغربة على أكمل وجه .. وقدموا ما تستطيعون تقديمه مع إخوانكم الكويتيين .. حتى ساعة الفرج)..
رحم الله الشاعر الكبير فائق عبد الجليل ، الذي ناضل بقلمه الظلم والطغيان مع بقية رفقاء العمر من أجل تراب الوطن ..
Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق