أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

قصّة طويلة كانت قصيرة..

شـيـخـة الـمـحـروقـيـة

 

قصّة طويلة كانت قصيرة..

 

في حضن البرد القارص بلندن، تنتظر تلك الفتاة القصيرة مع شعرها المستعار ومكياجها الثقيل، تقف على الرصيف بانتظار سيارة ما تأخذها إلى مكان ما لتبيع بعض “الهوى” مقابل حفنة من المال.

طوال ثلاثة أسابيع كنت أراها وأنا في طريقي من وإلى الفندق، يبدأ انتظارها تحت المطر وفي مقاومة الرياح الشديدة بدءًا من بعد الظهيرة وحتى ساعات متأخرة من الليل.

تساءلت إن كانت تجد زبائنَ ثم تعود إلى موقعها مرة أخرى لأنني أراها في بعض الأيام تراوح مكانها في كل مرة أعبر الطريق، وفي لحظة فضول قططية سألتها : هل من جديد؟.

ابتسمت لي وقالت : الحظ سيئ هذه الفترة.

سألتها : هل حاولت البحث عن عملٍ آخر؟.

ربما أحرجتها بسؤالي لكنها أجابت بحزن : حاولت ولم أفلح.. ما أقوم به سهل جدًا.

سألتها : هل جربت عرض خدماتك في مواقع التواصل الاجتماعي؟.

قالت : سمعت أنها تدر كثيرًا من المال بكل سهولة ودون الاضطرار للوقوف في هذا البرد !!.

قلت لها : وستبيعين “الهوى” لزبائن كثر افتراضيًا وليس حقيقيًا كما هو حالك الآن.

قالت : بعد أن أجمع مبلغًا من المال يسد جوع يومي وإيجار غرفتي سأبتاع هاتفًا جيدًا لأجل ذلك .. حينها يمكنني الالتواء والغناء والرقص وأقول قصصًا تافهة عن حياتي وأعرض جسدي وسيتابعني الملايين وسأصبح مشهورة، وستطلب مني الشركات الإعلان عن منتجاتهم، بعدها يمكنني أن أقرأ بعض الكتب حتى يصبح حديثي أكثر رقيًا وتأثيرًا، ولكن عن ماذا سأتحدث؟.

أجبتها : عن التمحور حول الذات، وهي تُرُهات تتوافق مع “هوى” معظم الناس، لأنها سهلة وهي في الواقع طريقة محببة لأنفسهم حتى يبرروا أنانيتهم واتباعهم للملذات.

قالت : إذًا ليس هناك فرق بيني وبين أولئك الشهيرات؛ جميعنا بائعات هوى مع اختلاف المواقع وزاوية النظر إلينا .. أنا على رصيف الشارع وهن على تلك المواقع.

سألتني : وهل سأحظى بالاحترام ؟.

أجبتها: سيحترمك من لا يدركون معنى الإنسان، وسيجرون لكِ مقابلات في التلفاز والإذاعة يسألونك عن سر نجاحك الباهر!!.

قالت : لم أفهم بعض كلامك، ولكن المهم أنني سأحظى ببعض الاهتمام!.

قالتها وفي شفتيها ابتسامة ساخرة، نظرت إلى السماء ثم نظرت إليّ، ثم ضحكت بشكل هستيري وهي تلوّح بيدها اليمنى، أما يسراها فقد أخذت على عاتقها ضرب مقدمة فخذها بشدّة، أخذت جرعة من دخان سيجارتها وأطلقتها بعد ذلك نحو السماء، ثم انفجرت بكاءً، بكاءٌ بغزارة أمطار ذلك اليوم، وبمرارة قهوة لم تصنع جيدًا لأجل يوم شتوي قارص.

سألتها : هل تبكين ندمًا على بيعك نفسك ومنح جسدك للرجال من أجل المال؟.

ضحكت قائلة : بالطبع لا !! أنا أبكي على كل لحظة انتظرت فيها زبونًا واحدًا تحت المطر لأبيعه بعضًا من نفسي؛ بينما أمكنني بيع “الهوى” بطريقة سهلة وحديثة وسريعة بأن أكون واحدة من فتيات الشوارع .. آه أعني فتيات المواقع.

نظرت إليّ متساءلة: هل هو أمرٌ حصري على الفتيات العزباوات؟.

أجبتها: بالطبع لا، هناك رجال وأطفال ومراهقون ومراهقات، ومتزوجون و متزوجات، وهناك كبار السن أيضًا، عالم اختلط فيه الحابل بالنابل وضاعت فيه قيمة الإنسان وأصبحت رهينة بالمال.

قالت: وما الذي يهم غير المال؟! لا شيء أهم من المال!.

حينها أدركت أن الحوار آن له أن ينتهي، فكل شيء كان يوحي لي بأنها لن تدرك في تلك اللحظة معنى أن تكون إنسانة في الشارع، في الهاتف، في المطعم، في العمل، في التلفاز، في المواقع الإلكترونية .. في كل مكان.

لم أنظر إليها باحتقار، لديها أسبابها حتى لا تعي معنى أن تعيش كإنسان، وفي الحقيقة إن العيش كإنسان هو أمرٌ لا يدركه الكثيرون لأن الأشياء من حولهم حولتهم من كائنات بشرية إلى مخلوقات مجهولة الهوية، فأصبحوا يتكلمون ويشتمون ويقفزون ويصرخون ويرقصون ويفعلون أشياء عديدة لا يفعلها إنسانٌ أكرمه الله بعقل يميزه عن باقي المخلوقات، بل أوجدوا سببًا منطقيًا لخوف الملائكة من فساد الأرض حينما أبلغها الله سبحانه أنه جاعلٌ الإنسان خليفةً له في الأرض.

‫2 تعليقات

  1. وكل لبيب بالإشارة يفهم.. هكذا وضع كثير من الناس يتجهون للممنوع من أجل توفير لقمة العيش ولكن هناك سبل أيسر وأسهل وربما تحفظ لهم الكرامة بدلا من الإهانة… بوركت أستاذة شيخة

  2. قصة طويلة كانت قصيرة ؛ بسيطة الكلمات غزيرة المعاني .
    لله درك استاذة شيخة ؛ اوجدتي مقاربة غاية في الصعوبة بكلمات سهلة وعبارات رشيقة جزلة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى