أصداءأقلام الكتاب

قـراءة فـي كـتاب : “مـتـون سـومـر” .. للكاتب : الدكتور/ خزعل الماجدي..

     الكاتـب/ فـهـد الجـهـوري

      almnsi2020@gmail.com

 

قـراءة فـي كـتاب : “مـتـون سـومـر” .. للكاتب : الدكتور/ خزعل الماجدي..

لم يكتفي العلم الحديث بتغيير حياتنا للأفضل، بل إنبرى أحد تلك العلوم ليخبرنا عن تاريخ سحيق لشعب إمتلك نواميس الأفكار البشرية الحالية، وحضارة عملت إنعطافاً حقيقياً وكبيراً للمستقبل الإنساني والديني.

في هذا الكتاب يبحر بنا الباحث والمتخصص في علم التاريخ والأديان والحضارات القديمة الدكتور/ خزعل الماجدي في رحلة قبل آلاف السنين من التقويم الميلادي عن حضارة السومريين في كتابه : “متون سومر”، الذي يستعرض فيه الدكتور خزعل بفصله الأول أصول السومريين وتطورهم من حياة القرية إلى المدينة وصولاً إلى أكبر وأقدم الحضارات البشرية المكتشفة حتى الآن، وامتدادهم الجغرافي الذي يقول حسب بعض الباحثين في علم الآثار (الأركيولوجيا) : إن جماعات منهم هاجرت واستوطنت في ثمانية اتجاهات من ضمنها حضارة مجان (عُمان حالياً)، وحضارة دلمون (البحرين حالياً) وغيرها من المناطق الأخرى، التي أشارت لها الكتابة السومرية المكتوبة على الألواح التي عُثر عليها أثناء عمليات التنقيب في موطنهم الأصلي ببلاد الرافدين.

والإنسان السومري لم يكن جامداً في تطوره الطبيعي كإنسان، بل أمسك بكل شيء معقول وغير معقول، لفهم وجوده على هذه الحياة، فالإنسان السومري جمع المعتقد والحكمة في حياته وطقوسه اليومية، ونلحظ هنا بعض ما جادت به الألواح السومرية من حكم كانت متداولة، (المدينة التي لا يكون لها كلاب، يحرسها الثعلب)، (ليس القلب هو الذي يقود إلى العداوة، وإنما هو اللسان)، (تدخل الذبابة في الفم المفتوح).

الفصل الثاني من الكتاب ينتقل بنا للتعريف بشجرة الآلهة السومرية، وخصائص كل إله وآلهة، وربما يتوه القارئ في هذا الفصل، بسبب كثرة أسماء وعمل كل إله وآلهة، والتي كان يعبدها السومريون ويقدسونها، وسوف يلاحظ القارئ كيفية بداية تطور الميثولوجيا السومرية وتشعبها وروحانيتها في عقل الحضارة السومرية وما تلتها من حضارات، تأثرت بطريقة مباشرة وغير مباشرة بنواميس الحضارة السومرية، وما استوقفني في هذا الفصل ذكر إله القمر “سين”، الذي تذكرت أنه ما زال له ذكر عند البعض حتى اليوم في جنوب السلطنة بمحافظة ظفار، حيث يكون البخور حاضراً ويتم ذكره للحماية من الحسد والمس والدعاء للمسافر بالقول : (يحفظك سين)، ومن باب أمانة نقل المعلومة قمت بالتواصل مع أحد الأصدقاء في محافظة ظفار للتأكد من هذه المعلومة، وهو ما أكده لي مشكوراً، وكذلك تأكيده على ممارسة فن “النانا” الشهير في المحافظة والذي لا يمارس إلا تحت ضوء القمر، و “نانا” في الكتابة السومرية معناه القمر، و “سين” كما أسلفنا هو إله القمر، وكان كذلك يقام هذا الطقس مع السومريين تحت ضوء القمر مع ترنيمات دينية للإله “سين” ولك عزيزي القارئ أن تلاحظ إمتداد التأثير الفكري والروحي القائم منذ آلاف السنوات قبل الميلاد حتى اليوم.

أما الفصل الثالث، فيخصصه الماجدي عن اللاهوت السومري للمعتقدات والأفكار، التي رافقت هؤلاء البشر في تلكم الحقبة الغابرة من تاريخ الإنسان القديم، حيث إمتزجت الأسطورة بالمعتقد والطقوس البدائية وبعض الأفكار .. التي في الحقيقة تفاجأت بوجودها، فنلاحظ مثلا أن رواية الطوفان العظيم متواجدة بنفس التفاصيل تقريباً لرواية الأديان السماوية، وقصة آدم و حواء والشجرة المحرمة، متواجدة بنفس الفكرة في الحضارة السومرية، بل الأغرب أن الحديث النبوي الذي يقول : إن المرأة خُلقت من ضلع أعوج، كان يتداول حرفياً في المعتقد السومري، وغيرها الكثير من الأفكار التي تتواجد في التوراة والأناجيل والقرآن.

ولا شك أن أحبار اليهود، كان لهم الدور الأكبر في نقل الأساطير السومرية في كتابهم المقدس التوراة، وتأثر الديانات التي تلتها بالميثولوجيا السومرية، فكمثال آخر نلاحظ أن كلمة الله في التوراة هي (يهوه) وكلمة الله في الحضارة السومرية تُكتب (إياهو)، إن كل المعطيات المنطقية تشير إلى تناقل تلك الأساطير والمعتقدات واختلاطها بالأديان الحالية، وهذا مؤشر لن يقبله الكثير من المؤمنين بالأديان السماوية وغيرها.

في الفصل الرابع الأخير، يقدم الدكتور خزعل الماجدي عرضاً للطقوس والشعائر التي كان يمارسها السومريون، فبالإضافة إلى طقوس التنجيم والسحر وتفسير الأحلام والعرافة، نلحظ وجود بعض طقوس الديانات السماوية ومن ضمنها، طقس الوضوء في برك الماء السومرية لتطهير الجسد قبل كل صلاة، والركوع وضم اليدين بنفس الطريقة الحالية لدى المسلمين، وطقوس الصيام والزواج والطلاق بنفس الآلية الحالية للمسلمين، وغيرها الكثير من الطقوس التي تتطابق تماماً مع الديانات السماوية الحالية التي لا يتسع المجال لذكرها في هذه القراءة الموجزة للكتاب.

في الختام نقول : إننا لم نغطِّ الكثير من تفاصيل هذا الكتاب، لكن كانت محاولة لتقريب الصورة الذهنية للقارئ العزيز عن علم يقبل بالشواهد المرئية أمامه، ويحاول أن يربط عقلياً بين ما يمارسه البشر اليوم، وما يعتقدونه على أنه الحقيقة المطلقة…

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق