أصداءأقلام الكتاب

قـراءة فـي كـتـاب : “خـلـف الأسـلاك الشـائـكـة”..‎

     الكاتـب/ فـهـد الجـهـوري

     almnsi2020@gmail.com

 

قـراءة فـي كـتـاب : “خـلـف الأسـلاك الشـائـكـة”..

لا تكون الأمور في الحقيقة من الداخل مثلما يظهرها لنا الإعلام الغربي في الخارج، إحدى تلك الأمور قضية حقوق الإنسان في الداخل الأمريكي والتي تبدو أنها باهتة في حقيقتها، ينقل هذه الحقائق هنا الطالب الكويتي ياسر البحري المبتعث من جامعة الكويت لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة السياسية بكتابه (خلف الأسلاك الشائكة) وهو عبارة عن سيرة ذاتية كتبها بعدة سجون أمريكية تنقل بينها، فمنذ اتهامه ظلماً بقضية اغتصاب إحدى موظفاته في محله الشهير (شيشة كافيه) بولاية فلوريدا، نكتشف الوجه القبيح للإنسان من عنصرية وامتهان لأخيه الإنسان .. ولأني قرأت الكثير في أدب السجون لم أندهش مما كتبه ياسر البحري من أساليب التعذيب التي تُمارس بشكل ممنهج على السود واللاتينيّين والعرب والمسلمين خاصة، ولكن الحديث عن بلد يقال عنه أنه أم الحريات .. والقوانين به لا تنظر للون الإنسان نفسه أو جنسيته أو معتقده وغيرها الكثير من الشعارات البراقة التي يتم نشرها صباح مساء علينا.

إن معاناة ياسر البحري ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بالطبع ولكنها تعطينا حقائق ومعلومات في الكثير من النواحي القانونية والقيم المجتمعية الأمريكية، إحدى تلك المعلومات التي حدثنا عنها البحري أثناء محاكمته عن هيئة المحلفين في المحاكم الأمريكية، ودورها في المحكمة، وكيفية اختيارها، ودور القاضي، يقول البحري في هذا الجانب ما نصه :

((في دول الخليج العربية على الأقل، لدى القاضي السلطة الرئيسية والقرار النهائي، فهو الذي يقرر إن كنت مذنباً أم لا ، أما في أمريكا فالأمر مختلف، القرار يكون بيد هيئة المحلفين ومهمة القاضي هي إدارة القضية فقط، أي وظيفته تشبه إلى حد كبير وظيفة الحكم في مباريات كرة القدم، وهناك فريقان يلعبان المباراة، فريق الدفاع وفريق النيابة، بحيث يعطى كل فريق الفرصة لعرض أدلته وحججه، ووظيفة القاضي هي توجيه مسار القضية، والموافقة أو عدم الموافقة على عرض أدلة معينة على هيئة المحلفين، محكوماً بالطبع بقوانين الولاية، وعند إدانة هيئة المحلفين للمتهم، تكون وظيفة القاضي هو النطق بالحكم النهائي وفقاً للقوانين أيضا، ولكن من هم عادة أعضاء هيئة المحلفين ؟!.

هم أناس عاديون جداً يتم اختيارهم بطريقة عشوائية عن طريق الرسائل البريدية، أي إن كنت أمريكياً فتوقع بيوم من الأيام عند فتح صندوقك البريدي أن تجد رسالة مكتوب فيها يجب عليك الحضور لأداء واجبك المدني في يوم … لتكون عضواً في هيئة المحلفين.

تسمى تلك الهيئة لأنهم يقومون بواجبهم المدني تحت (القسم العظيم) بشكل عادل ووفقاً للأدلة والقوانين، وبشكل عقلاني وليس وفقاً للأهواء الشخصية، وهذا هو المفروض، ولكن الواقع شئ آخر، فوفقاً للدراسات العلمية في أمريكا عموما فالعواطف والإنفعالات والعنصرية تلعب الدور الحاسم في تلك القرارات)) !!.

والحياة في السجون الأمريكية هي أخرى تماماً، لها قوانينها وتجارتها وزعمائها وحتى عصاباتها، عاش ياسر البحري كل تلك الحياة في السجون الأمريكية بعنصريتها وعذاباتها وتناقضاتها التي جعلت البحري إنساناً مختلفاً عن الإنسان المرفه القادم من الخليج العربي، لفت انتباهي كذلك المعلومات التي سردها عن جماعة nation of Islam أمة الإسلام، التي تأثر بها كذلك المناضل (مالكوم إكس) في سجنه قبل تركه لها لاحقاً.

يقول البحري عن هذه الجماعة ما نصه (في الأربعينات من القرن العشرين هاجر شخص لبناني الأصل يدعى محمد فريد إلى أمريكا، وهو مسلم يدين بالمذهب السني، فراح واستقر في أحد حواري السود الفقيرة، وفتح محلاً تجارياً صغيراً في أحد الحارات وبدأ بالعمل، وبينما كان على دراية تامة بتاريخ العبودية في أمريكا وما يعانيه السود من اضطهاد وتفرقة عنصرية وتمييز من الحكومة والشعب الأبيض، وكان دائما يحاول الرفع من معنويات هؤلاء السود الفقراء بعبارات مثل (كنتم أهل تاريخ وعظماء)!! و (كنتم مسلمين)!! و (كنتم شعباً حراً)!! و (كنتم ملوكاً وأمراء)!! و (كنتم مؤمنون تعبدون الله)!! و (إن عدتم إلى الإسلام، فسوف يجعل الله لكم مخرجاً)!!.

فقام بعض أولاد الحارة السود بإعتناق الدين الإسلامي على يد هذا الداعية التاجر، وقد كانت عباراته مؤثرة بشكل كبير على أحد الأولاد وكان يدعى (إلايجا بوول)، وبعد دخول إلايجا بوول في الإسلام، قام بتغيير اسمه إلى (إلايجا محمد)، و راح يتعلم الدين الإسلامي بشكل مكثف من محمد فريد، ولكن بعد فترة من الزمن اختفى محمد فريد، تاركاً (إلايجا محمد) ولا شيء معه سوى القرآن.

وتحت ظل ظروف التفرقة العنصرية الممارسة من العرق الأبيض تجاه السود، وندرة الكتب الإسلامية حينها، بدأ (إلايجا محمد) بقراءة القرآن باللغة الإنجليزية بالطبع، وراح يؤوله تأويلا لا يسمح به الإسلام المعتدل، ومع الوقت بدأت ترهات (إلايجا محمد) بالظهور علناً، فقام بإصدار جريدة أسبوعية وأطلق عليها إسم (محمد يتحدث) فبدأ الرجال والنساء السود بالإعجاب به وبدينه الجديد، وذلك تحت ضغوطات العنصرية بالطبع، ولكن ماهو وكيف كانت عقيدته ؟.

أطلق على أتباعه لقب الجماعة الإسلامية ! ولكن عقيدته غريبة وبعيدة كل البعد عن الإسلام : (فالله أسود) و (النبي أسود) وأنا (إلايجا محمد) رسول الله !! و(سوف أظهر قرآناً جديداً) و (ليس هناك جنة ولا نار)، وما هي أركان الاسلام ؟.

لا شيء !! لا صلاة ولا زكاة ولا حج، يقومون بالصوم في شهر ديسمبر من كل سنة لكي لا يتبعه حر الصيف ! وهكذا… وفي الستينات من القرن العشرين، وبعد تضخم هذه الجماعة الضالة والمُضِلّة، بدأ الأمريكيون عموما السماع عن الإسلام عن طريق هؤلاء الضالين، ولم يكن ذلك بالشيئ الإيجابي للإسلام ! فمن يريد الإنضمام إلى ذلك النوع من الإسلام سوى الأسود المضطهد الغاضب على العالم بأسره ؟ ولكن الشيئ الإيجابي الوحيد الذي قام به (إلايجا محمد) قبل موته هو إرسال إبنه (محمد والي) إلى جامعة الأزهر في مصر لتلقي التعاليم الإسلامية الصحيحة على الطريقة المصرية على الأقل، وبعد رجوعه قام والده بتعيينه ولي العهد على تلك الجماعة، وبعد موت إلايجا محمد في عام 1975، إستلم إبنه (محمد والي) مقاليد الحكم، وأول ما قام به هو الإتصال بصديقه آنذاك محمد علي كلاي الملاكم الأسود فقال له : (محمد ! أنت تعلم أن أبي كان ضآلاً ؟ (نعم هذا صحيح ! وما تنوي فعله الآن ؟)، (سوف أغير إسم هذه الجماعة من (نيشن أوف إسلام) إلى (مسلمي شمال أمريكا) لتضم جميع المسلمين البيض و السود والعرب والباكستانيين … الخ، فالعنصرية والتحيز لسلالة معينة أو عرق معين ليس من الإسلام في شيء، إن تلك الجماعة وإن كانت بدايتها التي كانت في 1975م صحيحة، إلا أنه لم يرضى جميع أعضاء تلك الجماعة عن فعلته، فراحت الجماعة بالتفكك إلى مجموعات أصغر، وقام رجل يدعى (لويس فرخان)، وهو طالب من طلبة (إلايجا محمد) في الجماعة السابقة بتأسيس جماعته الخاصة به، وأطلق عليها إسم (نيشن أوف إسلام) إستخدم الإسم القديم نفسه الذي تخلى عنه والي محمد إبن (إلايجا محمد) منذ عدة سنوات فراح لويس فرخان (والي هذا اليوم) باستعمال نفس تلك الترهات التي كان (إلايجا محمد) يستعملها (الرب أسود) و (النبي أسود!) و (إلايجا محمد) هو رسول الله ! وما إلى ذلك من الهرطقات !.

هذه قصة هؤلاء المسلمين السود العنصريين، وما زال هناك في سجون أمريكا القليل منهم، وهم في صراع دائم مع السجناء البيض، ولا يحضرون صلاة الجمعة، ولا يشاركون في أعياد المسلمين ! ولكن في ظل إنتشار الكتب الإسلامية الصحيحة في السجن بدأ أغلب هؤلاء المساجين بالتحول شيئا فشيئا إلى مذهب أهل السنة.

إن ما مر بالبحري من أهوال في السجون الأمريكية لا يقل عن السجون العربية بكل حال من الأحوال، ولكن يبقى كتاب البحري شهادة موثقة ضمن العديد من الكتب والمقالات التي تتحدث عن نزيف حاد لكرامة البشر، في بلد يتبجح بحقوق الإنسان ليل نهار..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق