أصداءأقلام الكتاب

قـراءة في رواية : الذي لا يحـب جمـال عـبـدالناصـر‎..

الكاتـب/ فـهـد الجهـوري

almnsi2020@gmail.com

 

 

قـراء في رواية :

الذي لا يحـب جمـال عـبـدالناصـر‎..

 

في الحقيقة لم أندم على تأخري في قراءة رواية مثلما ندمت على تأخري بقراءة رواية الصديق سليمان المعمري، التي تحمل عنوان (الذي لا يحب جمال عبد الناصر)، وربما مهما تحدثت عن هذه الرواية لن أوفيها حقها بما يتناسب مع الإبداع والإمتاع، والإسقاطات السياسية الصريحة التي قدمها المعمري عن الداخل العماني بكل تجلياته المجتمعية والمذهبية والسياسية، وبالتحديد احتجاجات صحار، وتتضح عبقرية سليمان المعمري في هذه الرواية من خلال ربط جميع شخصياتها المذكورة بشخصية المدقق اللغوي بجريدة المساء المصري محمد بسيوني الذي يكره الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر كُرْهاً لو وُزن بحقد البشر في الأرض لرجح الكُرْه الكامن في نفس بسيوني.

إن شخصية محمد بسيوني سلطان لم تكن إلا فكرة عبقرية زرعها سليمان المعمري في الرواية، لإيجاد قاسم مشترك للحديث عن الايجابيات والكثير من السلبيات من تاريخ عبد الناصر، وكذلك الإسهاب بالحديث عن الشأن العماني لأحداث تاريخية وقعت و أفكار مجتمعية ما زالت قائمة، ونلاحظ هنا بعض الحقائق عن أفعال عبدالناصر على لسان شخصية محمد بسيوني وهو يرد على الناقد السينمائي المعروف عبدالله حبيب، بعد أن قام عبدالله بامتداح جمال عبدالناصر في اعتصام ساحة مجلس الشورى أثناء الإحتجاجات، حيث كتب المعمري ما نصه :

((بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أنا إسمي الأستاذ محمد بسيوني سلطان، خريج الجامع الأزهر ومن علماء اللغة العربية .. عايش معاكم هنا في عُمان من ييجي خمسة وتلاتين سنة .. دَرّسْت ناس كتير : بعضهم دلوقت بقوا وزراء، وبعضهم كُتّاب، وبعضهم صحفيّين، وبعضهم مذيعين .. أنا ساهمت في تشكيل جيل النهضة المباركة .. إنتوا لسه شباب وما عشتوش اللي أنا عشته .. ولا شفتوش اللي أنا شفته .. أنته نفسك يا أستاذ عبدالله يا حَداثي بتقول إنك كنت عَيّل في السنة اللي مات فيها الزفت اللي ما يتسماش .. ده رجل عظيم ؟!! .. أستغفر الله العظيم .. رُبَّ كلمة قالت لصاحبها : دعني .. شفت إيه إنته من عظمته يا أستاذ يا متعلم يا مثقف يا بتاع (كلاوديا أروح كلاوديا أجيء) ؟!!.. إن شاء الله ربنا حيحشرك معاه يوم القيامة .. مش ده اللي اخترع القومية العربية علشان يضرب بيها الإسلام ؟!، قال إيه الإسلاميّين حيرجعونا لعصر الحمير ربنا ينتقم منه .. مش هو اللي طلع لينا بالإشتراكية ؟!! قال إيه كفاية في الإنتاج و عدل في التوزيع، كفاية إيه وعدل إيه يا روح أمك .. مش ده اللي إرتكب جريمة الإصلاح الزراعي : قال إيه كل واحد خمسين فدان بس .. طيب إفرض إن ربنا كارمني بـ 300 فدان .. يعني إيه ؟!! أرميهم للكلاب ؟!!، مش ربنا هو اللي بيوزع الأرزاق ؟!! .. مش الراجل العظيم بتاعك ده هو اللي فصل مصر عن السودان ؟!!.. مش هو اللي دمر الإقتصاد المصري بعد ما كان الجنيه المصري يساوي تمانية جنيه إسترليني ؟!!.. مش ده اللي جابه للحكم الإخوان المسلمين وبعدين غدر بيهم زي ما غدر بزميله محمد نجيب ؟!!.. مش هو اللي حط إيده على قبر الشيخ حسن البَنّا الله يرحمه وقال (نحن على العهد سائرون) وبعدين خان ؟!!.. مش ده اللي قتل الشهيد سيد قطب ؟!!.. مش ده اللي كان بيعذب الإخوان في السجون ؟!!.. الله يرحمك يا أستاذ محمود أبو العينين، والله لما كنا نشوف ظوافره متشالة ومتّاكلة من التعذيب كانت أجسامنا تقشعر .. مش ده اللي تسبب في هزيمة كبيرة للعرب، وقام المنافقون بتوع التلات ورقات سموها (نكسة) ؟!!.. جاتهم وكسة .. كل ده وأنا لسه ما تكلمتش على اللي عمله بالعُمانيين !!.. مش هو ده اللي كان بينصر الشيوعيّين عليكم ؟!.. مش هو ده اللي تخلّى عنكم في زنجبار سنة 64 وخلّا الأفارقة يدبحوكم دبح !!.. لحد إمتى حتبقوا مخدوعين فيه ؟!!.. كفاية بقا .. وربنا المعبود ده كان يقدر يوقف المجزرة ضد العمانيّين بالتليفون لو كان عايز .. مجرد إتصال صُغَيّر للراجل اللي اسمه نيريري كان يخليه يترعب .. بس فخامته ما كانش عنده وقت لأنه مشغول بحرب اليمن، مشغول بإبادة جنوده المصريّين في حرب ضد إخواتهم العرب .. لا وكمان أجبر الأزهر يستقبل المجرم نيريري، ولا كأنه عمل حاجة بالعرب والمسلمين !!))..

إستطاع سليمان أن يذكر تفاصيل لأحداث سياسية خطيرة، ربما أن الكثيرين من جيل الشباب لا يعلمها أو لم يدرك حساسيتها على الأمن الداخلي، ولكن سليمان ركز بالمقام الأول على الاحتجاجات التي تفجرت في فبراير من عام 2011، وتحدث المعمري في عمق عن خوف السلطة من هدير الغاضبين في الشوارع و الساحات، وهنا أضع امامك عزيزي القارئ طرح معمق عن المواجهة الأولى بين الشعب والسلطة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث يضع المؤلف نص للصحفي ناصر صالح :

((بقدر ما كانت الإعتصامات الشعبية التي شهدتها عُمان عام 2011 المواجهة الأولى بين المجتمع والسلطة منذ عقود، فقد كانت أيضًا، على المستوى السيكولوجي، المواجهة الأولى بين الفرد العماني ومخاوفه اللاشعورية من بطش السلطة، والمواجهة الأولى كذلك بين السلطة وعقدة خوفها وارتيابها المزمنة، منذ سبعينيات القرن الماضي، من أي تجمع واحتجاج شعبي. لقد كانت هذه المخاوف الكامنة في لاشعور الفرد والسلطة معاً هي المسرح الخلفي لأحداث فبراير 2011. لم يكن الذين خرجوا للاعتصام في الشوارع والميادين يواجهون السلطة بقدر ما كانوا يواجهون للمرة الأولى مخاوفهم المترسبة في قاع النفس والذاكرة منذ سبعينيات القرن الماضي. كما أن السلطة حين واجهت الشباب العماني المحتج على سياستها إنما كانت تواجه لأول مرة مخاوفها وهواجسها الأمنية التي كانت أسيرة لها منذ حربها المسلحة مع (الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليح العربي) !!.. كان الحدث يجري في فبراير 2011، ولكن المسرح النفسي للحدث ممتد إلى أربعين سنة ماضية، لذا كانت اللحظة محتدمة بالإنفعالات المضطربة، الحائرة، المترددة. كانت الجماهير في الشوارع في مواجهة علنية صريحة مع مخاوفها من بطش السلطة وعقابها الشديد، أما السلطة فكانت هي الأخرى تنظر إلى الجموع الغاضبة في الشوارع بارتباك وخوف، وتصور لها مخاوفها إحتمال الفوضى العارمة، وانفلات الأمن، وفقدان السيطرة والتحكم، وبالتالي ضرورة الردع والعقاب القاسي. كان الخوف من الجانبين سيّد الموقف، لذا ذهبت الأمور إلى أقصاها في المواجهة الأولى في صحار، مما أدى إلى مقتل شاب عماني برصاص الشرطة، وعندها تفجر الغضب في صحار، و امتد إلى مسقط، وصلالة، و صور.. كانت الجموع الغاضبة لمقتل الشاب العماني تطالب بالقصاص وعقاب المسؤولين عن مقتل الشاب، ومعها تتعالى عشرات المطالب بإقالة المسؤولين الذين إعتبروهم رموز الفساد و الإستبداد !!.. إنها لحظة المواجهة الأولى التي كسرت حاجز الخوف، كان العمانيون في الميادين بصدورهم العارية مستعدين لمواجهة القتل والإعتقال والسجن، إنها لحظة الإنعتاق الأولى من الخوف، لحظة التحرر من الأسر، والإنطلاق و الحرية، إنها لحظة استعادة الشعور بالذات الفردية كشخصية حرة، والوعي بالذات الجماعية كشعب عماني له إرادة وعزيمة وقدرة على التغيير. كان الفرد العماني يعلن ذاته لأول مرة : أنا أحتج، و أرفض، و أعترض إذاً أنا موجود. وكان الشعب ككيان معنوي وفيزيقي ينبثق ويتعين في الساحات والميادين كإرادة شعبية متضامنة تعلن وجودها لأول مرة : نحن نحتج، ونرفض، ونطالب، ونريد، إذاً نحن موجودون. إنها لحظة معنوية فاصلة .. لحظة إنبثاق الوعي الأول بالذات الفردية والجماعية. الأنا العمانية وُلِدَت و تحققت في تلك اللحظة التاريخية، إنها ذات فاعلة لها إرادة حرة. كما أن الشعب العماني أخذ يتبلور كهوية و إرادة جامعة، و ككيان معنوي جماعي له شخصيته الإعتبارية وحقوقه في المشاركة وصناعة القرار في وطنه.. لقد فوجئت السلطة بالجموع الغاضبة والمستنكرة، أربكتها الأصوات واللافتات الصريحة التي طالبت بإقالة القيادات الأمنية والمدنية البارزة في السلطة، ولم تعرف كيف تتعامل مع هذه اللحظة المنفلتة من العقال، كانت كل جهودها طوال الأربعين عاماً الماضية منصبة على تجنب هذه اللحظة الصدامية المتفجرة، لهذا كانت تعتقد أن كل تجمع شعبي أو رأي ناقد للسلطة يشكل خطراً و تهديداً للحكم، هكذا كانت المخاوف الأمنية، تفاقم الإحساس بالخطر لدى السلطة من الشعب !! ولكن السلطة إكتشفت أن مخاوفها وهواجسها الأمنية أضغاث أوهام. فهاهم العمانيون يتجمعون في الشوارع ويعتصمون في الميادين، ولكنهم لا يشكلون تهديداً لنظام الحكم، بل يريدون تغيير وزراء ومسؤولين في الحكومة، ويطالبون بإصلاحات إقتصادية وسياسية !! كانت السلطة تتحرر من مخاوفها وتكتشف زيف أوهامها، فقد كان المحتجون يعبرون عن وحدتهم الوطنية، و يؤكدون مطالبهم المشتركة بسن وتطبيق القوانين العادلة، ومحاربة الفساد، وإصلاح المؤسسات، وترسيخ بناء الدولة .. لقد حررت الإعتصامات الفرد من مخاوفه، كما أنها حررت السلطة من هواجسها وأوهامها الأمنية، وهو ما أدى إلى إنفراج الحالة السياسية المحتقنة، لذا أصبح سهلاً على السلطة أن تتيح للمحتجين أن يبقوا في الشوارع والميادين ما داموا لا يُهدّدون نظام الحكم، لذلك توقفت المواجهات العنيفة، وانتقل الصراع إلى محاولة إيجاد الحلول السياسة، و الوصول إلى مخرج من الأزمة، ووجدت السلطة نفسها بعد أن تحررت من مخاوفها الأمنية، أكثر قدرة على الإستجابة لمطالب المحتجين، وإجراء التغييرات السياسية، لذلك جاءت التعليمات واضحة و صريحة لأجهزة الأمن بعدم التَّعَرُّض للمعتصمين، وصدرت القرارات بإقالة الوزراء والمسؤولين الذين طالب المعتصمون بإقالتهم، كما توالى صدور القرارات التي استجابت للكثير من المطالب التي أعلنها المعتصمون في الساحات العامة))..

إن هذه الرواية في الحقيقة عمل جاهز درامياً مكتمل الأركان، ولا يحتاج إلا دعماً لإنتاجٍ حقيقيٍ على أرض الواقع، وقبل هذا رفع الحظر المفروض عليها من جانب مقص الرقيب مثلما أخبرني سليمان المعمري حتى كتابة هذه الأسطر..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق