أصداءأقلام الكتاب

قـراءة في كتاب : “أمة من العباقرة”..

   الكاتب/ فهـد الجهـوري

    almnsi2020@gmail.com

 

قـراءة في كتاب : “أمة من العباقرة”..

يقول غاندي : (لا يمكن لحضارة العيش إذا كانت تحاول أن تكون حصرية)..

ولا شك أن حضارة بلاده الهند واحدة من أهم الحضارات الإنسانية التي ساهمت ولا زالت تساهم في التأثير على البشرية من نواحي عديدة، فواحد من خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية و طب الاسنان في المملكة المتحدة من أصول هندية، والكثير من المهندسين في منطقة وادي السيلكون والذين يقاربون 20 ألف مهاجر مع نهاية الألفية يعودون من أصول هندية، وكذلك على سبيل المثال لا الحصر الامريكي (صابير بهاتيا) المؤسس المشارك في خدمة البريد الإلكتروني الشهيرة (hotmail) من أصول هندية، بالإضافة إلى ذلك فأن المخترع المشارك في الناقل التسلسلي العالمي (universal serial bus المعروف اختصاراً بأسم USB) هو أيضا أمريكي من أصول هندية، والعلماء الهنود قاموا بغزو العالم في شتى المجالات وخاصة العلمية، لذلك قامت الصحفية البريطانية (انجيلا سايني) برحلة معمقة في الداخل الهندي للبحث و الحديث مع العلماء الهنود في هذا الكتاب و الذي يحمل عنوان (أمة من العباقرة) وفي الحقيقة إن ما قامت به انجيلا سايني في هذا الكتاب لهو عمل جبار في بلد أشبه بالقارة حيث توغلت في فهم الاشكاليات التي تواجه التعليم الهندي رغم أن الناتج السنوي للعلماء الهنود ضخم للغاية، فلو اخذنا الفصل الذي يحمل عنوان (الألعاب الذهنية) والذي يتحدث عن الجانب البرمجي لاجهزة الحاسوب سيبدو من الواضح أنه تم الألتفات للعقول الهندية في مجال البرمجة حينما أحس العالم بخطر برمجي سوف يهدد جميع مناحي الحياة المرتبطة بأنظمة الحواسيب في بداية الألفية الجديدة و الذي عُرف فيما بعد بأسم (خطأ الألفية Y2K) حيث أن المطارات و البنوك و الموانئ وغيرها الكثير من الأماكن الحيوية بالعالم مرتبطة بحواسيب تعمل بلغة برمجة تم تصميمها عام 1960 موجهة خصيصاً للأشغال العامة تحمل أسم COBOL اختصارا،  و رغم أن العالم انتقل تدريجياً قبل بداية الألفية إلى أنظمة ويندوز من شركة مايكروسوفت الأمريكية إلا أن العالم ابقى النظام البرمجي القديم COBOL يعمل في تسيير المطارات و البنوك و الموانئ و الكهرباء و الاتصالات لأسباب برمجية، هنا تذكر العالم الغربي أن الهند ما زالت تعمل بهذا النظام البرمجي ليس فقط في الأماكن الحيوية بل أن الحكومة الهندية و شركاتها و جيش مهندسيها من المبرمجين يعملون على هذا النظام العتيق لاسباب مادية بالمقام الأول، وطالبوهم بمحاولة ضبط و إصلاح النظام، وبالفعل قام العلماء الهنود بتفكيك شفرات النظام و إعادة صياغته بما يتناسب مع متطلبات الألفية الجديدة ليتنفس العالم الصعداء بفضل العمل الجبار الذي قام به العلماء الهنود في هذا الجانب والذي كان سيكلف العالم كوارث اقتصادية هائلة،

وبالانتقال إلى الفصل الذي يحمل عنوان (الموز طويل الأمد) والذي يتحدث عن أمة بالاساس كانت ولا زالت مهتمة بالزراعة، وعنوان هذا الفصل يعطينا مؤشر عن أهمية الموز في حياة المواطن الهندي البسيط ويكمن تركيز العلماء الهنود في هذا الجانب كان بمحاولة إبقاء الموز أطول فترة ممكنة بعيداً عن التعفن لما لأهمية هذا الغذاء كما اسلفنا في حياة المواطن الهندي فالموز هو الفاكهة الوحيدة (علمياً الموز يعتبر من الأعشاب) الذي يباع في كل شوارع الهند تقريباً كما انه يُقدم مع جميع الوجبات في بعض المناطق الهندية ويعُتبر مهدئاً للمعدة بعد الوجبات الحارة، حيث قام العلماء الهنود بمحاولة التعديل الجيني لإبطاء عملية التعفن للموز وهذا العملية في التعديل الجيني يشار لها اختصاراً (GM) وتقول الكاتبة انجيلا سايني بعد لقائها بالدكتور (برافندرا ناث) أن التقنية التي يعمل عليها العلماء الهنود في هذا الجانب هي تعديل الهرمون المسؤول عن غاز الإيثيلين والذي ينتجه الموز بوفرة كبيرة جدا والذي بدوره يقوم بأستثارة انبعاث مزيد من الغاز وبهذه الطريقة يتعفن الموز بسرعة، إذا الفكرة العامة هي كانت التحكم في انبعاث غاز الإيثيلين من خلال التعديل الجيني و هو ما نجح به العلماء الهنود بإطالة الموز ومن بعده الطماطم و الباذنجان من التعفن لأيام أكثر ولم يكتفي العلماء الهنود بالتعديل الجيني على الموز والطماطم و الباذنجان لاحقاً بل قاموا كذلك بالتعديل الوراثي على بذور القطن الهندي لمقاومة الحشرات في المناطق الجافة تحديداً ولاحقاً تم تطوير هذه التقنية لتشمل محاصيل أخرى مثل الطماطم و الفول و الباذنجان و غيرها رغم المعارضة الشديدة لجمعيات مناهضة للتعديل الجيني و الوراثي للمحاصيل الهندية،

ورغم التقدم العلمي بالهند إلا أن الشعب الهندي من أكثر شعوب العالم تديناً و ايماناً كذلك بالخرافات و الأساطير ففي الفصل والذي يحمل عنوان (عربات الآلهة) لا يسعنا إلا أن نقف مندهشين أمام تلكم الملايين من البشر و هُم يؤمنون بكل تلك الأساطير و الخرافات والتي في الحقيقة تتواجد في كل الحضارات و الديانات بلا أستثناء ، فحينما نقرأ كمثال عن ما حصل في بدايات القرن العشرين حينما قام رجل دين هندي هندوسي بتفسير نصوص من كتاب الفيدا أقدم الكتب الهندوسية المقدسة (كتاب الفيدا يحتوي على ترانيم يعود تاريخها لثلاثة آلاف عام مضت على الأقل) و زعم رجل الدين هذا من خلال تفسيره لترانيم الفيدا المقدسة أن الهنود كانت لديهم تقنيات متطورة لعربات يطير بها الهنود القدماء و آلهتهم وما زالت تلك المخطوطة المعنونة بأسم (فايمنيكا شاسترا) يؤمن بها مئات الملايين من الهندوس، في الجانب الآخر نشطت مجموعة عقلانية تحارب الخرافات وتفضحها علناً في وسائل الإعلام الهندية المختلفة والتي أسست الجمعية العقلانية الهندية… ورغم أن اتباعها قليلون جداً مقارنة بالمؤمنين الهنود إلا إنها نجحت في استقطاب مئات الآلاف وتغيير افكارهم بالمنطق العقلي و يترأس هذه الجمعية حتى اثناء صدور هذا الكتاب شخص يدعى (إداماروكو) والذي وقع في مشكلة كبيرة تحدثنا عنها الكاتبة انجيلا سايني في السطور التالية حيث تقول ما نصه (حدثت القضية الكبرى التي واجهها إداماروكو في العام 1995, عندما ادعى شخص في نيودلهي أن أحد تماثيل الإله غانيش المنحوتة على هيئة رأس فيل في معبده المحلي الخاص قد بدأ في شرب اللبن. لذا اندفع الجيران إلى معابدهم الخاصة لمعرفة ما إذا كان هذا صحيحاً أم لا. و في الأسابيع التالية و في الأضرحة في جميع أنحاء العالم، أعلن الملايين من الهندوس المذهولين أنهم عندما قدموا ملعقة من اللبن إلى الرب من خلال صبها بالقرب من فمه اختفى اللبن كأن الإله غانيش نفسه كان يرتشفه. ولم تكن شبكة سي إن إن الإخبارية و صحيفة واشنطن بوست وقناة هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي سوى قلة من وسائل الإعلام التي غطت هذه القصة بتفاصيلها الباهرة إعلامياً. لذا لم يتوقف هاتف إداماروكو عن الرنين خلال تلك الفترة. ومع ذلك، عندما بدأ في زيارة المعابد، اتضح تدريجياً أن هذه التماثيل الحجرية تمتص اللبن فقط بالطريقة نفسها التي تمتص بها جميع الأشياء الحجرية أي سائل، فأي مادة مسامية بها فتحات صغيرة منتشرة في سطحها مثل الإسفنج تكون بشكل طبيعي أنابيب رفيعة تمتص السوائل عن طريق الخاصية الشعرية. غير أن أي كتلة صخرية يمكنها فقط أن تمتص كمية محدودة من اللبن و أوضح إداماروكو أن جموع العباد الذين بادروا بصب كمية وافرة من اللبن على التماثيل الهندوسية تسببوا في فائض من اللبن كان يصب في المصارف خلف المعبد. بعدها ذهب إداماروكو إلى مبنى التلفزيون الوطني، و بحوزته تمثال نصفي حجري لرئيس الوزراء جواهر لال نهرو، ثم صب عليه كمية من اللبن، فامتص التمثال بعض اللبن. بعدها عمد إلى صب قهوة سمراء عليه، فامتصها التمثال هي الأخرى. ثم كرر هذه التجربة على قرميد فحدث الأمر نفسه، فقال ضاحكاً: اتضح لغز المعجزة بهذه التجربة و انتهى أمرها)

اخترت لك أيها القارئ العزيز هذه الفصول الثلاثة التي لفتت انتباهي رغم أن هذا الكتاب يتضمن العديد من الفصول الرائعة في علوم الفضاء و الطب والهندسة والعلوم المختلفة الأخرى والتي أسهبت بالحديث عنها الصحفية البريطانية انجيلا سايني والتي كذلك أبرزت مشكلات كثيرة تعاني منها الهند كالتعليم و الرعاية الصحية والفقر والبطالة وغيرها من المشكلات التي راهن جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال على تخفيف وطأتها بالنهضة العلمية في شتى المجالات، إن من يقرأ عن الاشواط الكبيرة التي قطعها العلماء الهنود في كل تلكم العلوم ليقف إحتراما وتقديراً لهم ولانجازاتهم التي عمت البشرية جمعاء، رغم أن هناك مجموعة من البشر وللاسف ما زالت تنتقص من الآخر بقولها : (شو شايفني هندي) ؟!!.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق