أصداء وآراء

قـراءة في كـتاب : (ذاكرة القهر : دراسة حول منظومة التعذيب) للدكتـورة بسمة عبد العزيز..

 

 

 

الكاتـب/ فـهـد الجـهـوري

 

 

 

قـراءة في كـتاب : (ذاكرة القهر : دراسة حول منظومة التعذيب) للدكتـورة بسمة عبد العزيز..

 

ربما سوف يتفق معي الجميع أن لا عمل بشع يضاهي عمليات التعذيب التي يمارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان، ولا توجد كلمات تصور فداحة مشاهد التعذيب، ولفهم تساؤلات مقلقة من قبيل لماذا يعذب الإنسان إنساناً آخر؟ و بأي الأساليب يُعذب الإنسان؟ وما هي نفسية الجلاد أمام الضحية أثناء تلك العملية البشعة؟ وما الأدوات المتاحة للضحية أمام جبروت معذبها في تلك اللحظات المجنونة؟ وما التوابع النفسية المدمرة التي ستتبع الجلاد والضحية لاحقاً؟ وغيرها الكثير من الأسئلة الملحة والتي تحاول الإجابة عنها الدكتورة بسمة عبد العزيز في كتابها (ذاكرة القهر : دراسة حول منظومة التعذيب).

يغوص هذا الكتاب في دراسة دقيقة حول كل ما له علاقة بهذا الفعل المتوحش الذي يمارسه البشر منذ أزمنة بعيدة، وكيفية تطور أساليبه لسحق كل ممكن في الإنسان الآخر، فالتعذيب تاريخياً كان يمارس على مفاهيم معينة تدل على عقلية البشر حينها والبيئة المنبثقة لهكذا أفكار، حيث ارتكزت فكرة التعذيب قديماً وتطورت على خمسة ركائز نوجزها كالتالي :

أولاً : اختبار المتهم، حيث قديماً يتم اختبار قوة تحمل المتهم للتعذيب فإذا (كمثال) تم اجباره على المشي حافي القدمين على الجمر ولم يُبد أي ألم أو تذمر يكون بريئاً.

ثانياً : العقاب، حيث أصبح مفهوم العقاب واجباً بعد أن تطور الفكر البشري من كون التعذيب و عدمه مقروناً بتحمل المُعذب للاختبار لإثبات براءته.

ثالثاً : التطهر، وهو مصطلح قدمته الكنيسة خصوصاً في العصور الوسطى لكل مخالف لتعاليمها، فقامت بأبشع أساليب التعذيب و ادعت أنه تطهير لذنوب المهرطقين.

رابعاً : الردع، حيث ارتكزت فكرة الردع على إخافة أكبر عدد ممكن من البشر من خلال تعذيب مجموعة معينة من الناس بأقسى الطرق الممكنة و إذاعتها بين العوام.

خامساً : الاستئثار بالقوة و المال، هنا يتم ممارسة التعذيب لفرض الطغيان، وإسكات الأفواه المطالبة بالحقوق وحرية الأفكار، وكذلك نهب الأموال للجهة الأقوى التي مارست التعذيب كحكومة و غيرها من الجهات.

وفي عصرنا الحالي اقترن في مخيلة الشعوب فعل التعذيب بالحكومات القمعية الشمولية التي تمارس أعتى اصناف التعذيب بحق معارضيها، وتستخدم أدوات معينة لكي يصبح فعل التعذيب أمراً مألوفاً بل وربما محموداً في بعض المجتمعات، تقول الدكتورة بسمة عبد العزيز في هذا الجانب ما نصه :

(حين يقرر نظام ما استخدام التعذيب لقمع بعض معارضيه، أو لقمع أقلية دينية أو عرقية لا يفترض أن يعلو صوتها، فإنه يتبع نموذجاً تقليدياً ذا خطوات محددة لا تتغير بتغير شكل المعارضة وتوجهاتها، كخطوة أولى تبدأ الحكومة التي تمثل النظام ذا الطبيعة القمعية باتهام مجموعة من الأفراد في خطابها الرسمي بكونهم أعداء للوطن، وبأنهم يشكلون تهديداً حقيقياً لأمنه وسلامته، وللقانون الذي يجب الحفاظ عليه، ويتم الإعلان عن حتمية القضاء على هذا التهديد، تحت أي ظرف وبأي ثمن.

هذه المجموعة من الأفراد، التي تُتهم بالعمل ضد مصالح الوطن، هي في الأغلب المجموعة التي تُمثل معارضة حقيقية، ذات قاعدة شعبية مضادة للنظام القائم، وهي في الأغلب أيضاً، المجموعة التي يُشكل وجودها خطراً على بقائه في سدة الحكم، مع ذلك لا يخلو الأمر في بعض الأحيان من هجمات شرسة على بعض المجموعات المعارضة الصغيرة، التي لا تملك أرضية جماهيرية لكنها تملك حزمة من الأفكار المزعجة، بحق، للنظام.

يتوحّد النظام القمعي بالوطن، ويعتبر أن معارضته هي معارضة للوطن، و أن مناهضته والعمل على إسقاطه لهي محاولات لإسقاط وتدمير للوطن، وتصبح مصلحة الوطن هي مصلحة النظام القائم، بغض النظر عن كونه فاسداً، غير شرعي، أو مستبداً. عند هذه المرحلة، يصبح الاعتقال والتعذيب أمرين تلقائيَّيْن لا يقبلان الجدال، ويكتسب التعذيب مشروعية ظرفية في أذهان الناس لارتباطه بمحاربة الخطر المحدق بالوطن، بل وقد يصبح التعذيب ليس فقط مقبولاً بل و محبذاً أيضاً، إذ يتم تصوير الأمر على أنه معركة مصيرية ما بين الوطن و أعدائه).

إن ما قدمته الدكتورة بسمة عبد العزيز في هذا الكتاب لا نستطيع القول عنه بحثاً طبياً في النفس البشرية المعقدة التي تُنتج كل هذه الأفعال الإجرامية، ولا هو كتاب توثيقي تاريخي تقليدي لإثبات الجرم والمجرم، بل إن هذا الكتاب وما طرحه من معلومات و أفكار، جمع كل ما يمكن جمعه بهذا الموضوع الشائك، ووصل بنا إلى آخر نقطة توصل إليها الأطباء النفسيّين مع العوامل المجتمعية التي تؤدي إلى كل هذه السادية المفزعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى