أصداء وآراء

قـراءة في كـتاب : (كنـت رئـيـساً لمصـر) .. مذكرات الرئيـس الأسـبـق محمـد نجـيـب..

 

 

 

الكاتـب/ فـهـد الجـهـوري

 

 

قـراءة في كـتاب :

(كنـت رئـيـساً لمصـر) .. مذكرات الرئيـس الأسـبـق محمـد نجـيـب..

 

“إن الضباط جزء لا يتجزأ من الشعب، و إذا كان الشعب يُحكم حكماً ملكياً مستبداً، فإن الجيش هو الآخر يخضع لنفس الظروف منذ سيق إلى مجزرة فلسطين، دون رأي و دون استعداد، و فرضت عليه الخطط الفاسدة و الأسلحة الفاسدة”..

كان هذا هو المنشور الأول الذي تم نشره من جانب حركة ما تسمى (الضباط الأحرار) التي قامت بالانقلاب على الملكية في مصر، والذي يوثقه اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية المصرية في كتابه (كنت رئيساً لمصر)..

يعترف اللواء محمد نجيب في هذه المذكرات الطويلة عن أخطاء كبيرة وقع بها وإبدائه الندم، وطلبه للغفران بما لحق بالشعب المصري لاحقاً من جراء هذا الانقلاب، الذي كان يُراد منه رفعة مصر و المصريين حسب قوله.

ويعترف نجيب ضمن اعترافاته الكثيرة في هذا الكتاب، أنه حينما كان يقابل حشود الجماهير كان يقول لهم إنها ثورة، و أمام مجلس الضباط أنها حركة تصحيحية أو ما شابه ليعود ويعترف أنه كان يؤمن في قرارة نفسه أنه انقلاب مكتمل الأركان، وسوف يتضح للقارئ الفطن أن نجيب كان ضعيف الشخصية رغم التبريرات التي ساقها لتصرفاته أثناء توليه زمام الأمور كقائد للمجلس العسكري، أو لاحقاً كرئيس للجمهورية، مما جعل جمال عبد الناصر يتلاعب به قبل أن ينقلب عليه وعلى أقرب المقربين لعبد الناصر نفسه.

يعتبر محمد نجيب أن دخول العسكر للحياة المدنية السبب الرئيسي في ضياع حقوق الناس و الديمقراطية التي تعاهد ما يسمى مجلس قيادة الثورة على عودتها بعد خلع الملك فاروق و عودة العساكر إلى ثكناتهم، لم يتحقق شيء مثلما يقول نجيب في عهد الناصرية، بل تدهورت مصر وتحطم الإنسان المصري الحالم بقيادة تنفذ ما رفعته من شعارات براقة عن الحقوق و المساواة والمحاسبة ومحاربة الفساد، وغيرها الكثير من الوعود التي بقيت حبراً على ورق.

وسوف نلاحظ من خلال السرد المفصل للأحداث أن محمد نجيب لم يعي أنه كان واجهة لعبد الناصر وجماعته إلا بعد سنوات قليلة من عملية الانقلاب ثم اعتقاله و حبسه و إهانته هو و عائلته في إحدى المنازل التي عاش فيها لسنوات طويلة جداً يلازمه الحرس ليل نهار ويُمْنَع من الزيارات، بل وحتى من إستخدام الهاتف في محاولة لتدميره نفسياً بعد أن كان رئيساً للجمهورية، ولنأخذ هنا تشخيص محمد نجيب للوضع في مجلس القيادة والصراعات القائمة بداخله في السطور التالية حيث يقول ما نصه :

“كان للثورة أعداء، وكنا نحن أشدهم خطورة.. كان كل ضابط من ضباط الثورة يريد أن يملك.. يملك مثل الملك.. ويحكم مثل رئيس الحكومة، لذلك فهم كانوا يسمون الوزراء بالسُّعاة.. أو بالطراطير.. أو بالمحضرين.. وكان زملاؤهم الضباط يقولون عنهم: طردنا ملكاً وجئنا بثلاثة عشر ملكاً آخر.. هذا حدث بعد أيام قليلة من الثورة.. هذا حدث منذ أكثر من ٣٠ سنة.. وأنا اليوم أشعر أن الثورة، تحولت بتصرفاتهم، إلى عورة.. و أشعر أن ما كنت أنظر إليهم على أنهم أولادي، أصبحوا بعد ذلك، مثل زبانية جهنم.. ومن كنت أتصورهم ثُوّاراً، أصبحوا أشراراً.. فيارب، لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.. ويا رب لا تحاسبنا على ما نقوله، و إنما حاسبنا إن كنا لا نقول الحق. لقد خرج الجيش من الثكنات.. و انتشر في كل المصالح و الوزارات المدنية.. فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر. كان كل ضابط من ضباط القيادة يريد أن يكون قوياً.. فأصبح لكل منهم (شلة) وكانت هذه الشلة غالباً من المنافقين الذين لم يلعبوا دوراً لا في التحضير للثورة.. ولا في القيام بها.. و المنافق دائماً مثل العسل على قلب صاحب النفوذ.. لذلك فهو يحبه.. و يقربه.. و يتخلص بسببه من المخلصين الحقيقيين، الذين راحوا وراء الشمس، لأن إخلاصهم كان همّاً و حجراً ثقيلاً على قلوب الضباط من أصحاب الجلالة.

تعددت الشلل والتنظيمات داخل الجيش، وحول ضباط القيادة، وبدأ الصراع بين هذه الشلل، بعد أيام من نجاح الثورة، وتحول من يومها إلى قتال يومي شرس، وظهرت مراكز القوى، بعد شهور قليلة، من قيام الثورة داخل مجلس القيادة وخارجه، ومما لا شك فيه أن جمال عبد الناصر كان أكبر مركز قوة داخل المجلس، وعندما ساعده الآخرون في التخلص مني، أستدار إليهم، وتخلص منهم واحداً بعد الآخر”..

ذهب نجيب وذهب ناصر والناصرية وبقت مصر تعاني ولا زالت، مما خلّفه الانقلاب وتدخّل العسكر في الحياة المدنية، إن مذكرات محمد نجيب هذه باعتقادي تحتاج إلى عدة قراءات لما احتوته من معلومات دقيقة منذ أن خطط ما يسمى بتنظيم (الضباط الأحرار) لعملية الانقلاب، وصولاً إلى توحّش النظام الناصري في السلطة والحياة العامة مثلما يذكر محمد نجيب، ولا شك أن اللواء محمد نجيب حينما كتب ما كتب بهذا الكتاب وهو على فراش المرض سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ما ذكره من أحداث تاريخية خطيرة و حساسة، كان يعي أنه يكتب للتاريخ والأجيال التي ستأتي من بعده بحثاً عن – لا أقول الحقيقة الكاملة – ولكن ولو جزء يسير منها، أضع لك عزيزي القارئ جانباً مما قاله محمد نجيب للتاريخ في مقدمة الكتاب والتي أراها مناسبة لهذا الملخص..

“يمكنني الآن أن أموت وأنا مستريح البال والخاطر و الضمير.. فقد قلت كل ما عندي.. ولم أكتم شهادة.. ولم أترك صغيرة ولا كبيرة إلا كشفتها.. إن هذا الكتاب سيعيش أطول مما عشت.. وسيقول أكثر مما قلت.. و سيثير عني جدلاً بعد رحيلي أكثر من الجدل الذي أثرته و أنا على قيد الحياة.. ولا يبقى سوى أن تؤكد صفحات الكتاب صدق ما أقول.. أسأل الله أن يتجاوز عما قصّرت و يغفر لي ما أذنبت و يتقبل مني ما وُفِّقْت فيه”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى