أصداء وآراء

قـراءة في كـتـاب : (الحقيقة و الوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة) .. الدكتور فؤاد زكريا..

 

 

الكاتـب/ فـهـد الجـهـوري

 

 

 

قـراءة في كـتـاب : (الحقيقة و الوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة) .. الدكتور فؤاد زكريا..

 

الإسلام هو الحل أو تطبيق الشريعة سينقذنا من مشكلاتنا، إن مثل هذه الشعارات ما زالت تداعب الكثيرين من أنصار هذا الرأي ويتشددون لأجله، ولكن كيف ومتى وبأي طريقة سنطبق هذه الشعارات ؟ وغيرها الكثير من الأسئلة الملحة في مخيلة كل إنسان يقف ويتفكر لمثل هذا الرأي ولهذه الشعارات.

هنا يحاول الدكتور فؤاد زكريا في كتابه (الحقيقة و الوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة) البحث في إمكانية تطبيق هذه الشعارات على أرض الواقع بعيداً عن الأحلام الوردية، ويستند الدكتور فؤاد زكريا في مقالاته التي تم جمعها في هذا الكتاب على مجموعة من الحجج والبراهين المنطقية في صعوبة تطبيق هذه الشعارات على نحو ما يصبو إليها المتحمسون لها، ويسهب الدكتور فؤاد زكريا في دراسة وتفكيك فكر هذه الجماعات و شعاراتها، مستنداً على أحداث تاريخية وما وصلت إليه بعض الأنظمة من تطبيق هذه الشعارات أو جزء منها، ولنأخذ جانباً مما قاله الدكتور فؤاد زكريا في هذا الصدد :

(إن أنصار تطبيق الشريعة يداعبهم حلم وردي رائع، ولكن مشكلتهم أنهم لا يبذلون أي جهد لترجمة هذا الحلم إلى لغة واقع، وهذه الترجمة تحتاج إلى استيعاب كافة دروس الماضي والحاضر واستخلاص دلالاتها، وتحتاج إلى وضع ألوف التفاصيل الدقيقة والضوابط المحكمة، بحيث لا يسمح للمنحرفين باستغلال مرونة العموميات في تحقيق مآربهم الخاصة، وتحتاج قبل هذا وذاك إلى التفكير في مدى ملائمة هذه الدعوة للحظة الزمنية الحاضرة، وفي الأسباب التي تؤدي إلى التركيز على أهداف لا علاقة لها بالمشكلات الطاحنة التي يعانيها الإنسان المصري في كل لحظة من لحظات يومه، وأهم عناصر هذا الحلم الوردي هو الاعتقاد بأن تطبيق الشريعة سيؤدي آلياً إلى تبخر كل ما نعانيه من مشكلات، كيف ؟ لا أحد يدري، و أغلب الظن أن معظمهم يعتقد في قرارة نفسه بأن العناية الإلهية سترعانا بمجرد أن نطبق الشريعة، ومن ثم فإن قوى السماء ستتدخل من أجل حل مشكلاتنا دون أن يبذل الإنسان جهداً يُذكر… وفي غمرة النشوة التي تبعثها العبارات الساحرة الخلابة، لا يخطر ببال أحد أن يتساءل : هل حدث شيء من ذلك في تجربة تطبيق الشريعة في السودان أو باكستان أو غيرها ؟ ألم تستفحل مشاكل هذه البلاد في ظل أنظمة تزعم أنها لا تطبق سوى أحكام الإسلام ؟ ومن عناصر هذا الحلم أن أحداً لا يكلف نفسه عناء التساؤل عن الجهة التي ستقوم بهذا التطبيق وتسهر على حمايته : هل هم رجال الدين ؟ عندئذ سنخلق كهنوتاً جديداً و بابوية جديدة. هل هم رجال العلم المتخصصون ؟ عندئذ سيقال لنا إن تطبيق الشريعة على أيدي العلمانيين زيف و خداع .. هل سنوجد فئة جديدة تجمع بين التفقه في الدين والتخصص في العلوم العصرية ؟ عندئذ يكون من حقنا أن نتساءل عن مصدر تلك القدرات الخارقة التي تتيح لأعضاء هذه الفئة أن يضيفوا إلى أعبائهم المزدوجة مهام الحكم وإدارة شؤون مجتمع معقد حافل بالمشكلات! ومن سمات هذا الحلم الوردي أنه – كأي حلم آخر – لا يعطي الأمور حجمها الحقيقي؛ فأصحابه يتصورون أن منع الخمر؛ مثلاً؛ كفيل بإصلاح المجتمع، وينسون أن الخمر لم تُمنع بين الطبقات الحاكمة في بلدان طبقت الشريعة الإسلامية : لأن هؤلاء يظلون دائما فوق مستوى تطبيق الحدود، وينسون أن هناك مشكلات أفدح وأخطر ألف مرة من الخمر، ومن أزياء النساء وسفورهن أو حجابهن ستظل قائمة حتى لو لم تبق في المجتمع قطرة خمر واحدة، وأن الأولوية في أي مجتمع متأزم كمجتمعنا ينبغي أن تكون لمشكلات المرافق والاقتصاد والمال والتعليم والصحة – وما أكثرها – لا لمنع الاختلاط بين الجنسين أو الاحتفاظ بالمرأة وراء جدران البيت).

ومن الملاحظ في هذا الكتاب أن الدكتور فؤاد زكريا ركز كثيراً أو استند في تحليله في فكر الحركات الإسلامية على الداخل المصري الذي نشطت فيه الشعارات المرفوعة لتطبيق الشريعة الإسلامية أو غيرها من الشعارات وتحديداً في حقبة أنور السادات وما تخللها من عنف متبادل بين السلطة والمتشددين الإسلاميين، وكأي موجة متدفقة سواء إسلامية او علمانية او اي فكر آخر في حقبة معينة، لابد من ظهور شخصيات تدور في فلك هذا الفكر أو ذاك، أحد هؤلاء الذين بزغ نجمهم في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ مصر هو الشيخ محمد متولي الشعراوي، والذي أثار الجدل بطريقته في المحاضرات الدينية وأفكاره التي ما زالت تثير الجدل عند البعض، يقول الدكتور فؤاد زكريا في نقده لطريقة الشيخ الشعراوي في محاضراته الدينية ما نصه :

(ولكن كيف يأتي العلم في ظل المنهج السُّلطوي الذي تطرح به هذه الدعوة الدينية في زماننا التعيس ؟ أنظر مثلاً إلى طريقة الشيخ الشعراوي في عرض أفكاره، إنه إرسال من جانب واحد : هو الذي يتكلم، والكل ساكتون في خشوع، وإذا تكلموا فإنما يهتفون استحساناً وانبهاراً .. لماذا لا تتخذ الأحاديث مثلاً شكل الحوار والمناقشة والنقد والرد ؟ لماذا لا تضم الجلسة أنصاراً وخصوماً يحاورون الشيخ ويبدون رأيهم لكي يتولى هو إثبات موقفه من خلال تفنيد اعتراضاتهم ؟ إن الشيخ إذا أشرك سامعيه في الحوار، فإنما يكون ذلك بطريقة السؤال التي أصبحت علامة مميزة له؛ فإذا تحدث مثلاً عن كتاب المسلمين، يسأل الحاضرين : (كتاب إيه ؟) فيرد السامعون : (المسلمين)، إنه أسلوب ينطوي على الإمعان في التنكيل بالناس وإذلال عقولهم : إذ يطلب إليهم ترديد آخر كلمة قالها لتوه وكأنهم أطفال يُراد التأكد من أنهم حفظوا الدرس ولم يكن عقلهم شارداً عندما سمعوه.

إن الشيخ بسؤاله التقليدي… (إيه ؟) يعلن سيطرته على الحاضرين، ويؤكد خضوعهم له وانطواءهم تحت جناحه، وبدلاً من أن يسألهم سؤالاً يحتاج إلى استخدام للعقل والذكاء، وبدلاً من أن يشركهم في حوار يثير به أذهانهم ويحفزها على التفكير الخلاق، نراه يطلب منهم تكرار آخر كلمة قالها، فيمتثلون هم لطلبه صاغرين، وبذلك يكون الشيخ قد أكمل استحواذه عليهم، ولم يعد أمامهم سبيل إلى الإفلات من سيطرته، وكل ما عليهم هو أن يقولوا آمين ! وحتى لو طاف الشك بذهن أحدهم في عبارة قالها الشيخ، فلن يستطيع أن يقول : تمهل يا شيخنا قليلاً حتى نناقش عبارتك الأخيرة ! ذلك لأن الكلمات و العبارات تتوالى بسرعة هائلة لا تترك فرصة للتفكير، ولو توقف عقل المستمع لحظة لكي يناقش عبارة واحدة، ستكون عشرات العبارات قد تلاحقت في هذه الأثناء؛ فتضيع الفرصة، ولا يجد السامع مفراً من الاستسلام لما يسمع).

إن هذا الكتاب لن يعجب من يؤيدون تلك الشعارات والأفكار التي نادت ولا زالت تنادي بها الكثير من الحركات الإسلامية حول العالم، وفي المقابل سوف يروق هذا الكتاب وما يتضمنه من أفكار يعتبرها البعض رجعية وتناسب العصور الوسطى على أكثر تقدير، وبين هذا الرأي والرأي الآخر نعتقد أن ما قدمه الدكتور فؤاد زكريا من تحليل معمق لحال هذه الجماعات يستحق القراءة والنقد كحال أي عمل إنساني حاول الدخول في منطقة شديدة الحساسية أو أشبه بمنطقة ألغام ربما تُفجر من حاول العبور من خلالها مثلما حصل مع الراحل فرج فودة الذي دفع حياته ثمناً لهذا الصدام الفكري الكبير..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى