أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

قـصـة النـقـل والسـيـاحـة..

الكاتب/ محمـد عـلي البـدوي

 

قـصـة النـقـل والسـيـاحـة..

 

وسائل النقل المتوفرة للسائح لها تأثير كبير على إختيار المسافر للأماكن التي يختارها للزيارة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنهض السياحة بدون وسائل نقل فعالة وجيدة وتتيح سهولة الانتقال ، وتوفر المال والجهد والوقت ، وتكون في كل الأحوال آمنة.

فوسائل النقل مقوّم من مقوّمات قيام النشاط السياحي و تعد العماد الأول والأكثر أهمية لقيادة سفينة السياحة وبدونها لا يمكن الحديث عن صناعة سياحية ممكنة. ولابد لنا أن نتعرف علي بدايات النقل بشكل عام حتي ندرك أهمية ما وصلنا إليه من تقدم وأن نحافظ عليه ونطوره إلي الافضل.

البدايات المرصودة كانت في المجر في بدايات القرن ١٥ حيث تم اختراع عربة صغيرة نسبيا أطلق عليها المحليون إسم: (stagecoaches) كانت أشبه بعربات مغلقة ومعلقة على أحزمة جلدية قوية ولها أربع عجلات وتجرها الخيول. وكانت هذه العربات تقطع المسافات بين القرى لتوصيل بعض الأثرياء أو زيارة الأقارب. أدت الحاجة إلي إراحة الخيول كل بضعة كيلومترات بسبب بُعْد المسافات ووعورة الطرق إلى تطوير فكرة الضيافة بحيث نشأت على طول الطرق الوعرة إستراحات تقدم الطعام والشراب للمسافرين وتقدم وجبات طعام للخيول. وبسبب تدني حالة الطرق آنذاك تطورت فكرة الاستراحات وتحولت الي أماكن للمبيت للحصول علي قدر كاف من الراحة قبل إستئناف الرحلات.

وفي بدايات القرن 19 حدثت طفرة كبيرة في النقل البري. حدث ذلك بعد أن اخترع (جون ماك آدم) نوعا جديدا من سطح الطريق أدى إلى تحسين حالة الطرق الترابية التي كانت موجودة في كل مدن أوروبا ؛ كان ذلك بمكانة اكتشاف لا مثيل له ؛ فتمهيد الطرق كان من أشد الأمور إلحاحا على ذهن الحكام في ذلك الوقت.

كانت طريقة تحسين الطرق التي اكتشفها (جون آدم) أشبه بما يحدث الآن في مراحل الرصف الأوّلي ؛ كان يضع حجارة صغيرة مكسورة (حصى) على الأرض ويتأكد من وجود تصريف مناسب على جانبي الطريق ، وبهذه الطريقة أصبحت الطرق أكثر تقدما عن ذي قبل ، ووفرت الراحة للمسافرين.

وفي عام 1825 تم إفتتاح أول خط سكك حديدية في إنجلترا. كان ذلك تسافر بسرعة 30 كيلومتر في الساعة مما أدي إلي توفير زيتية وتحتوي علي أثاث مريح. ولكن المشكلات بدأت في الظهور بسبب حداثة التجربة وعدم القدرة علي السيطرة علي بمكانة ثورة ونقلة نوعية في عالم السفر والترحال.

كانت القطارات الوقت والمجهود ، وكانت عربات القطارات تضاء بمصابيح بعض المشكلات مثل خروج عجلات القطار عن القضبان ، أو توقف القطارات لفترات طويلة للتزود بالفحم.

وفي عام 1826 تم إفتتاح أول خطوط السكك الحديدية الأمريكية ؛ كان السفر في الولايات المتحدة يختلف عن أوروبا بسبب طول المسافات بين الولايات مما استدعى شركة السكك الحديدية الأمريكية أن تبحث عن كيفية تلبية إحتياجات المسافرين وتوفير الراحة النفسية لهم.

وبداية من ستينيات القرن التاسع عشر بدأت خطوط السكك الحديدية الأمريكية في تقديم الطعام للمسافرين. وفي عام 1864 اخترع جورج بولمان سيارة النوم (بولمان) وتم وضع (الأسرة) داخل العربة لتصبح بعد ذلك مصدر إلهام للشركات الأوروبية التي قلدت الفكرة وأخذت في نشرها في المدن الأوروبية ليصبح هناك قطار النوم.

وفي أوائل القرن العشرين ظهرت خطوط السكك الحديدية الخاصة في الولايات المتحدة ، وكانت علامة على الغنى والجاه ولكنها سرعان ما تدهورت بسبب انهيار أسواق المال عام 1929 ؛ ظلت السكك الحديدية أكثر وسائل النقل شيوعا لما يقارب من قرن كامل (من ثلاثينات القرن التاسع عشر إلى ثلاثينات القرن العشرين).

ومع تطور الصناعة وظهور السيارات الخاصة والحافلات والنقل الجوي تراجعت شعبية القطارات ، وأصبحت تستخدم في نقل البضائع أكثر بكثير من نقل المسافرين ؛ حدث ذلك في الولايات المتحدة لكن الطلب على القطارات ظل موجوداً في أوروبا التي أخذت في تحديث خطوط السكك الحديدية حتى العصر الحديث ، واستطاعت دول عدة منها اليابان أن تطور من منظومة السكك الحديدية لديها وتتفوق على نفسها في اختراع قطارات فائقة السرعة تصل سرعتها إلى 320 كيلومتراً في الساعة.

أما السفر المائي فهو موجود منذ آلاف السنين ، ولكن الإهتمام به ظهر في بدايات القرن التاسع عشر عندما بدأ الرحالة الأوروبيون في التنقل بالسفن لاكتشاف المستعمرات في آسيا وأفريقيا .. كانت خطوط (Royal Mail Ship) أول خطوط بحرية منتظمة وموثوق بها وكانت أولى رحلاتها عام 1840 متوجهة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة وقطعت المسافة في 12 يوما.

بحلول عام 1860 إستطاعت السفن العملاقة أن تعبر المحيط الأطلنطي في غضون 6 أيام فقط ؛ كان ذلك مشجّعاً لوكلاء السفر على عرض خدماتهم على طبقة الأغنياء والأثرياء ليقوموا برحلات بحرية لاكتشاف المجهول وزيارة المعالم السياحية في مختلف قارات العالم ؛ لكن السفر عن طريق البحر لم يكن مريحاً وآمناً بالقدر الكافي ؛ لذلك ظلت الأعداد التي تسافر على ظهر السفن قليلةً نسبياً ، ولم تفلح حملات وكلاء السفر التحفيزية في الارتقاء بأعداد المسافرين.

كان العمل يجري على قدم وساق لاختراع الطائرة ، الفكرة قديمة منذ منتصف القرن الثامن عشر ولكنها لم تنجح ، بيد أنها ظلت تشغل بال العلماء في أوروبا التي أخذت تسعى إلى اختراع أول طائرة قادرة على التحليق لمسافات متوسطة نسبياً .. أدّى السفر الجوي إلى خفض الأعداد التي تسافر عن طريق البحر.

في عام 1957 وصل عدد ركاب السفن إلى مليون مسافر تقريباً ، وفي العام التالي مباشرة إنخفض العدد إلى أكثر من النصف ؛ بين عامي 1960 و 1975 انخفض عدد ركاب السفن الي أقل درجة منذ شيوع السفر بالسفن العملاقة وبدأت بعض الشركات في تغيير نوع النشاط أو محاولة تحويل النشاط إلى تجاري لنقل البضائع والمواد الغذائية.

كان عام 1908 عام الحسم بالنسبة لصناعة السياحة الأمريكية ، حيث توصل هنري فورد إلى اختراع سيارته الشهيرة التي أدت إلى ثورة في وسائل النقل وساهمت جنبا إلى جنب مع القطارات في توسيع مفهوم السفر ، وتم تطوير الطرق البرية وتطوير الفنادق والاستراحات ، وظهرت الموتيلات والفنادق الليلية التي تستهدف سائقي السيارات والحافلات وتطورت سلاسل الفنادق التي كانت تحرص على الوصول بخدماتها إلى كل أنماط المسافرين.

ثم حدث تطور جديد منذ بداية سبعينات القرن العشرين بفضل تطور وانتشار وسائل النقل الجوي ، وقامت الولايات المتحدة عام 1978 بتخفيض القيود على النقل الجوي مما أدى إلى ظهور العديد من شركات الطيران الخاصة ، ولم تكن أوروبا مجرد مشاهد لما يحدث بل سارعت دول الإتحاد الأوروبي إلى إلغاء القيود على الطيران بداية من عام 1990 مما تسبب في ظهور العديد من شركات الطيران الخاصة العملاقة ، وبذلك تحول الاعتماد بشكل كبير على النقل الجوي الذي سيطر على أكثر من 80٪ من نسبة المسافرين حول العالم ووفر الوقت والجهد ، بل والمال أيضاً بفضل تعدد شركات الطيران وتنافسها فيما بينها لتقديم خدمات وأسعار مميزة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى