أصداءأقلام الكتاب

قـلـيـل مـن الحـزن لا يـضـر..

الكاتـبة/ نـعـيـمـة الهـطالـيـة

 

 

قـلـيـل مـن الحـزن لا يـضـر..

الحزن هو أحد أنواع البلاء التي قد يصاب بها أي انسان مهما كانت مكانته أو مستواه المعيشي أو الثقافي ، لا أحد يملك المناعة ضده مهما عظمت قوته و صلابته ، لابد وأن يعيش تلك اللحظات بين الحين والآخر.

فالإنسان كمخلوق جعل الله به مشاعر وأحاسيس متناقضة يتقلب بين الفرح تارة و الحزن تارة أخرى ، قد نخطط للفرح ونقضي أوقات طويلةً للإعداد له ونقضيها بسعادة ، ولكن هل يأتي الحزن بعلم مسبق منا ؟؟ بالطبع لا ، فالحزن يهاجمك أحياناً وبشراسة من كل إتجاه ، لتصل إلى إيمان ويقين بأنها قد تكون القاضية ، ولن تقوم لك قائمة بعدها ، لكنك تقاوم وتقاوم وتصمد قدر ما تستطيع ، مستعيناً ببعض الذكريات الجميلة التي تُشْعِلُ بداخلك فتيلاً من الأمل أن القادم أجمل ، أو مستعيناً ببعض الأشخاص الذين لابد أن تُظْهِرَ الشجاعة من أجلهم ، لأنهم لطالما رَأَوْكَ واقفاً منتصب القامةِ ، مبتسم الثغر ، منفرج السريرة ، حتى أصبحت بأعينهم مثالاً يحتذى به في التحمل والصبر ، فتستمر الأحداث و تتوالى الأحزان ونحن نكابر لنظل ذلك العملاق بأعينهم ، إلى أن تكتض المشاعر بداخلنا وتزدحم ، حتى نصل إلى أن نكون على أهبة الإستعداد للظهور على ملامحنا المتأثرة بما نشعر به ، وتكون متنوعه مختلطه متوترة أحياناً وهادئة أحياناً أخرى ، فتصير متشابكة كعقدة يصعب حلها ، فلا نستطيع أن نفسر شعورنا في تلك اللحظة .. لا نعلم اين نتجه بها لقريب أم لحبيب أم لشريك أم لصديق ، ونظل في حيرة من أمرنا .. حتى تأتي اللحظه التي تفند بها تلك المشاعر ، فتكون كلمةً عابرة ، أو لحناً عذباً ، أو حتى نسمة هواء ، أو رائحة طيبة تحملها النسمات ، أو صوتاً غاب عنك طويلاً .. تجعلك في ثواني تُسقط كل دفاعاتك لتسيطر عليك تماما .. فلا تجد أمامك إلا الإستسلام لذلك الشعور القادم من الأعماق يرافقه وخز في صميم القلب وحرقة في مقلة العين ، فلا تشعر الا بالغصة تتفجر دموعاً تَغْرَوْرِق بها أحداقك ، ثم تملأ وجنتيك..

عندما ندفن الحزن بداخلنا ليس لأننا نعيش حياةً بائسةً أو مليئةً بالأسى ، وإنما هي تراكمات من اللحظات المُرًة التي تصادفنا ، ونلجأ إلى طمرها بالداخل حتى لا يظهر منا غيرُ الإبتسامة كما عهدوا منا ذلك ، تلك التراكمات كبركان يَتَحَيّن اللحظه للإنفجار لا إرادياً ، عندما تحن قلوبنا إلى أن تغتسل من ترسبات تراكمت كالجبال ، تثقل أرواحنا التائقة للراحة ، لن يكون هناك سجال أو خصام مع أحد ، ستكون أنت فقط ولحظة الحزن أو الألم النفسي ، إما خطاب رفيع المستوى قد يكون في سجدة أو إبتهال أو دعاء إلى لله يحمل رجاءً وطلباً بالعون منه عز وجل على التحمل والصبر والفرج، وهذا شعور رائع الإحساس بالقرب من الله  في تلك اللحظات يمدك بالراحة والطمأنينة ، والإستسلام للقضاء والقدر ، والإيمان المطلق بأنك بين يدي رحمن رحيم ، أو لحظة حديث مع النفس قد تقسو فيه عليها بالعتاب و التأنيب ، وقد تحاول إيجاد الأعذار والمبررات المقنعة حتى وإن كانت ليست كذلك أو هزيلة ، فقط لتخفف على قلبك وتهون على نفسك من وطأة ما تعيشه من مشاعر وأحزان في تلك اللحظة ، ولربما بعدها ستمسح دموعك مؤنباً نفسك يا لسخافتي ؟؟ لكنها في الحقيقة ليست سخافة ، بل لحظة طهر ، ولحظة سلام داخلي ، ولحظة تفريغ لما يثقل كاهلك لتعود كما أنت مشرقاً مقبلاً على الحياة بأمل وقلب ينبض من جديد برشاقه وطاقة إيجابيه وقدرة على إمتصاص القادم مما تحمله الأيام..

ما كتبته في هذا المقال ليس تفضيلاً للحزن ، ولا مقارنة بينه وبين الفرح ، وإنما حديث بيني وبينكم مفادة ، أن لا ضير من الحزن إن كنتم قادرين على أن تستخلصوا منه حكمةً أو عبرةً ، أو حتى درساً للحياة ، فلا ضير من الحزن إن كان لقلبكم سلام..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق