أصداء وآراء

كارل بـوبـر “النقد هو دماء الحياة لكل تفكير عقلاني”..

المستشار/ عبد العزيز بدر القطان

كاتـب ومـفـكـر وقـانـونـي – الكـويـت

 

كارل بـوبـر “النقد هو دماء الحياة لكل تفكير عقلاني”..

 

يقول كارل بوبر : “ما زلت أعتبر معيار القابلية للتكذيب مركز فلسفتي”، الفيلسوف بوبر أحد أهم فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة فلسفة العلوم، يعتمد أسلوبه على نقدٍ شبه موضوعي منطقي، ليكون ذلك نقطةَ الانطلاق في فلسفة الفيلسوف “بوبر”.

شكَّلت الفوضى الفكرية في الفيزياء الجديدة في الربع الأول من القرن العشرين، وإرهاصاتها الفلسفية الوضعية، الخلفية التي نشأت فيها فلسفة كارل بوبر، في ثلاثينيات القرن الماضي.

لا يرجع الفضل إلى كارل بوبر في أنه كان أحد فلاسفة العلم البارزين، ولا لأنه كان أحد المدافعين الأقوياء عن التنوير والوقوف في وجه أعدائه ونقاده، وإنما لأنه غيّر طريقة تفكيرنا، يكفي أن نقرأ كتابه “منطق الاكتشافات العملية”، أو أن نطّلع على نظريته حول القابلية للتكذيب والدحض.. إلخ؛ لنتأكد من أننا أمام فيلسوف من طراز نادر وقل نظيره.

كارل بـوبـر..

فيلسوف بريطاني – نمساوي المولد يهودي الديانة “ولد يهودياً لكنه تحول إلى المسيحية” متخصص في فلسفة العلوم، وعمل مدرساً في مدرسة لندن للاقتصاد كأستاذ للمنطق والمنهج العلمي، (1902 – 1994).

يعتبر بوبر أحد أهم وأغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين كما كتب بشكل موسع عن الفلسفة الإجتماعية والسياسية، حصل على الدكتوراه من خلال أطروحته “سيكولوجية التفكير”، إرتبط اسمه بجماعة فيينا من الوضعيين المنطقيين، مع أنه لم يكن عضواً فيها، ونشر كتابه الأول “منطق الكشف العلمي”، واشتهر بوبر بكتابيه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” و”فقر التفسير التاريخي”، وعُدّ كتابه “منطق الكشف العلمي” نقداً للفلسفة الوضعية المنطقية، إذ أسس اتجاهه الفلسفي، وهو العقلانية النقدية، قدَّم من خلاله تعريفاً للعبارة العلمية بأنها العبارة التي يمكن إخضاعها باستمرار لمعيار الدحض.

بوبر في معاركه الأكاديمية شن حرباً ضد الجميع تقريباً، بما في ذلك ثيودور أدورنو وغيره، كما هاجم كل المنظومات الفكرية تقريباً، بداية من الوضعية المنطقية، مروراً بالماركسية، وحتى المذهب التاريخي حيث نجد ذلك في كتابه “عقم المذهب التاريخي”.

فـلـسـفـة بـوبـر..

رأى بوبر أن مهمة الفلسفة تكمن في مبدأ التفريق بين المعرفة العلمية والمعرفة التي لا تقوم على العلم، رافضاً مبدأ التحقق الذي قالت به الوضعية المنطقية، ومناهضاً للمنهج الاستقرائي البيكوني أو اليقين الحسي، سواء أكان من زاوية فلسفة الظواهر أم الفلسفة المادية، واعتبر بوبر أن التاريخ الإنساني يتأثر تأثيراً قوياً بنمو المعرفة الإنسانية، ولا يمكن بالطرق العقلية أو العلمية، توقع كيفية نمو المعارف العلمية، ومن ثم، فلا يمكن التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني. وعلى هذا لابد من رفض إمكان قيام علم تاريخي اجتماعي يقابل علم الطبيعة النظري. ولا يمكن أن تقوم نظرية علمية في التطور التاريخي تصلح لأن تكون أساساً للتوقع التاريخي، وهذا إنما يؤكد عدم وجود حتمية في التاريخ، فكل معرفة بالتاريخ إذاً هي معرفة بما حدث، أي بعد أن يكون الوقت قد فات على التوقع.

وقد وجدت أفكار بوبر تطورها في “العقلانية النقدية” عند الفيلسوف الألماني هـ. ألبرت، وفي مناهج البحث العلمي عند مؤرخ العلوم لكاتوس، كما تأثر بها صاحب الأنثروبولوجية العقلانية ج. أگاسي.

بـوبـر والعـقـلانـيـة..

قال بوبر عن العقلانية : (حينما أتحدّث عن العقل أو العقلانية، فإنّ ما أعنيه هو القناعة أنّ بإمكاننا التعلّم من خلال نقد أخطائنا وزلّاتنا، وبالأخصّ من خلال نقد الآخرين لنا، وصولاً إلى امتلاك مهارات النقد الذاتيّ لأنفسنا؛ فالعقلانيّ  ببساطة هو شخصٌ يرى أنّ أهميّة تعلّمه للأشياء يفوق كثيراً أهمية أن يتمّ إثبات أنّه على حقّ، هو شخصٌ يمتلك الاستعداد الكافي ليتعلّم من الآخرين وليس فقط ليستولي على آرائهم، وذلك عبر السماح لهم بنقد أفكاره، وعبر نقده هو لأفكار الآخرين. التركيز هنا هو على النقد من حيث هو ممارسة فكرية، أو بعبارة أكثر دقّة على النقاش النقدي. العقلانيّ الأصيل لا يعتقدُ أنّ الحقيقة حكرٌ عليه هو، ولا هي حكرٌ على سواه. هو لا يعتقد بأنّ النقد المجرّد يتيح لنا التوصّل إلى أفكارٍ جديدة، لكنّه يعتقد بأنّ النقاش النقدي يساعدنا، فيما يتعلّق بالأفكار، على تمييز الغثّ من السمين. إنّه يعي بشكل جيّد أنّ قبول أو رفض فكرة ما لا يمكن أن يكون مسألة عقلانيةً بحتة، ولكنه يعتقد أنّ النقاش النقديّ هو ما يمكنه أن يمنحنا النضج الكافي لرؤية الفكرة على نحو أكثر عمقاً، ومن جوانب جديدة، وهو ما يتيح المجال لنا لنصدر حكماً صحيحاً فيما يخصّها).

أخيراً، يعد كارل بوبر أشهر فلاسفة العلم في القرن العشرين، وأكثرهم تأثيراً في مسيرة فلسفة العلم الحديثة، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، يمكن القول : إنه قد أحدث ثورة في المنهجية العلمية لا تقل عما أحدثه أينشتاين في الفيزياء حين غيّر لنا نظرتنا إلى الزمن، حيث كان لأفكاره الأثر الكبير على البشرية، في مسيرة فلسفة العلم، وحتى يومنا هذا، لا زال المنهج الاستقرائي الذي هاجمه بوبر فاعلاً، ولا زال الاستقراء مع الاستنباط يُشكلان معاً جناحي الاستدلال العقلي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى