أصداء وآراء

كان جــدي..

 

 

الكاتبة/ فاطـمة المعـمـرية

 

 

كان جــدي..

 

كان جدي يجفف السنوات السعيدة، بأن يعيش لحظاتها الصادقة، ويحتفظ بتفاصيلها ليستخدمها في غير مواسمها..

ملامح جدي مهيبة، فهو من ربابنة البحر، خاض غمار الحياة البحرية وعبابها، بجميع طقوسها فغدى وجهه أسمرا، ورحلة شبابه نقشها الزمن على وجهه، جدي صاحب عينين غائرتين، أما الشعر الأبيض في وجهه أعطى له وقارا إضافيا لسنّه.

كان جدي خفيف الروح، ولم تكن الابتسامة تفارق مبسمه، كان يقدم النصيحة على طبق ممزوج بروحه الطيبة المحبة للخير.

قالت عنه أمي إنه كان صارما، شديد الغضب في شبابه، وكانت أمي وأخواتها يخافون منه، ولا يستطيعون مخالفة أوامره، كان حريصا أن يربي أبناءه على العلم والمعرفة والقيم والعادات والتقاليد.

دائما كان جدي مختلفا، كان محبا للسفر والترحال، قبل أربع أو خمس سنوات كان راجعا من إحدى سفراته، وجاء إلى بيتنا كمحطة من محطاته الدائمة بعد كل سفر.

أتذكر يومها أن أمي كانت تطلب منه المكوث في منزلنا للعشاء، ولكن قرارات جدي لا تقبل الجدال، كان يريد الذهاب إلى مسقط رأسه (حرمول) في ولاية لوى، فهو لا يتنفس إلا هواءها، ولا يتقبل جوّا إلا جوّها، بما أنه وصل إلى موطنه عمان.

بعد جدال طويل تقبلت أمي الهزيمة أمام إصرار جدي، وطلبت مني أن أٌوصله إلى (حرمول)، كانت المسافة من مسقط العاصمة إلى ولاية لوى تقريبا ساعتين، وخلال تلك الرحلة أبحر بي جدي نحو محطات شيقة من عمره، فتكلم عن الماضي بنوع من الحنين، وعن الحاضر بمشاعر الولاء والانتماء لهذا الوطن

أحسست بمتعة وأنا أحاور جدي المثقف، حيث أخذني عقله الواعي والمخضرم بأمور الحياة، إلى حد الاندهاش، كان هو القائد رغم أني أنا من أقود السيارة.

أتذكر طريقة جلوسه كان شامخا برأسه نحو السماء قوي الهيئة جالسا على مقعد السيارة، بدون أن ينحني ظهره.

لقد كان جدي مهيبا في حضوره، مبتسما عند حديثه، قويا في أفعاله وأقواله؛ ولكن شاءت مشيئة الله أن نفقده بين ليلة وضحاها، وأصبحت لحظة الوداع لا مفر منها؛ ففقدنا المعلم، والموجه، والرُّبّان، والقائد، كم تمنيت أن تعود اللحظات، ولو لدقائق أو ثوان قليلة، لأقول له أحبك يا جدي، وأني لن أنساك، وأني وأني وأني إلى أن يرضى عني وأشعر بإشارات الرضى على وجهه.

كنت أتمنى أن أرئ وجهه قبل دفنه، لأستوعب مقدار الفقد الذي سيعانق العائلة بأكملها، رحمك الله يا جدي وجعل مثواك الفردوس الأعلى من الجنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى