أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

كورونا الذي أرغمنا على التغيير !!..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلمانية

 

كورونا الذي أرغمنا على التغيير !!..

 

مضى أكثر من عام ونصف العام على الوباء الذي خلناه سيزول خلال بضعة أشهر، لم نكن نتوقع أن إقامته بيننا ستطول وأنه سيقلب العالم رأساً على عقب وسيغير القوانين والموازين، وسيشاركنا صيام الشهر الفضيل والاحتفاء بالعيدين، وسيرغمنا على إغلاق المساجد وحظر صلاة الجماعة على المصلين، وأنه سيحول التعليم التقليدي في العالم أجمع إلى تعليم عن بُعد، وأنه سيدمي قلوبنا ألماً وفقداً، وأنه سيتطور ويتحور ويتكاثر وينجب سلالات جديدة، وأن ذات المشهد سيتكرر لعام آخر وسينتزع منا المزيد من الأحبة، وربما سيمكث الوباء وسلالاته المتعددة بيننا لأعوام أخرى.

جميعنا يلاحظ حجم الخسائر والأضرار التي تسببت بها جائحة كورونا والتي لا زالت مستمرة، ورغم أنها سلبت منها الكثير من العادات الجميلة وأوصدت أبواب بيوتنا، إلا أن لها أبعاد أخرى أثّرت فينا إيجاباً وغيرت نمط الحياة وعالجت إلى حد ما بعض العادات والسلوكيات التي قد تؤثر على حياتنا بشكل سلبي، لقد ساهمت الجائحة في الحد من إدماننا على بعض الأشياء أو الممارسات الخاطئة التي يمارسها البعض منا، كإدمان الوجبات السريعة والإفراط في الخروج من المنزل بداعي أحياناً وبلا دواعي في أحيان كثيرة، والجري خلف الأعمال الدنيوية وملذات الحياة والتقصير في الجوانب الدينية، وقلة التواصل والحوار بين أفراد الأسرة، فرُبَ ضارةٍ نافعة.

عندما تم إعلان الحجر المنزلي منذ بداية الجائحة خلال شهر مارس من العام المنصرم تأفف الكثيرون لذلك القرار ربما قد أكون أولهم، لكن بعدما أعتدنا على الوضع وتعاقبت سلسلة الإغلاقات والمحظورات وتم اتخاذ المزيد من الإجراءات الاحترازية، أيقننا أن الحجر نعمة يجب أن نشكر الله عليها وأنها فرصة على الجميع استغلالها الاستغلال الأمثل، لمراجعة الذات للتأمل للتفكير للتخطيط للتغيير للتطوير، فأنا التي كنت دائماً وكثيراً أشتكي من ضيق الوقت وجدت متسع من الوقت للاهتمام أكثر بالجانب الديني في حياتي ووقتاً لإتمام دراستي وإعداد تقاريري وبحوثي، ووقتاً لممارسة هواياتي التي أخرسها انشغالي، والعودة من جديد لكتاباتي التي عانت بعض الوقت من إهمالي، ووقتاً للجلوس فترات أطول مع زوجي وأطفالي، كما وجدت وقتاً طويلاً للعب والضحك معهم، في الواقع قضيت فترة نقاهة استثنائية ومختلفة لم أحظى بها من قبل، قفد كسرت الروتين وجعلتني أستعيد نشاطي وحبي للحياة من جديد.

أصبحت أكثر اهتماماً بحملة التنظيف والتعقيم وبدأت أعتاد على صلاة زوجي وأبنائي في البيت، بدأت أألف بقاء زوجي داخل المنزل لساعات طويلة ومساعدتي في بعض الأعمال المنزلية ورغبته في تعلم كيفية إعداد بعض أصناف الحلويات والمقبلات – متحايلاً على الوقت – أصبح يومي حافلاً بالأنشطة المبتكرة والأفكار المتجددة، كما بدأت أتأقلم على عدم الخروج من المنزل لأسابيع، وتقبلت أخيراً فكرة التسوق الالكتروني بعدما كنت أستمتع بالتجوال بين البضائع والمنتجات في المتاجر والمحلات أتلمسها وأُقلّبها وأهمس لها وأتفحصها عدة مرات قبل شرائها، كما تمكنت من حضور برامج تدريبية ودورات وورش (online)، جعلني كورونا أتعرف على أفراد أسرتي من جديد وأكتشف مهاراتهم وقدراتهم وتطوراتهم وطرق تفكيرهم، واكتشفت أني أستطيع الاعتماد عليهم في إدارة بعض شؤون المنزل على عكس ما كنت أتوقع، في الواقع اكتشفت أني نسيت نفسي وأنني الوحيدة التي لم تتغير أو بالأحرى لم تتطور.

بدأت العمل على تغيير نفسي وبِتُّ أفكر بطريقة أفضل، كما بدأت أَأْلَفُ وجوه العابرين بالأقنعة في كل حدب وصوب، وتكيف أنفي مع رائحة المعقمات وتقبلت الواقع بكل ما فيه من أزمات وكمامات، وأيقنت الكثير من الحقائق التي كانت غائبة عن ذهني أو ربما كنت أتجاهلها، وأدركت سريعاً أن صراعي اليومي في الشوارع المزدحمة وبحثي الدائم عن الطرق المختصرة للذهاب إلى العمل منذ الصباح الباكر نعمة، وبعد تجربة التعليم عن بُعد أيقنتُ أن معاناتي لحضور المحاضرات بالكلية التي كنت أتذمر من صعوبة إيجاد موقف لسيارة فيها نعمة، وأن التعليقات والتصريحات التي كانت تطلقها أمي في وجهي عندما اصطحب أطفالي نعمة، وأن ازعاج ابن الجيران حينما كان يتردد على منزلي للعب مع ابني نعمة، وكلما رأيت تجهم ابنيَّ وعبوسهما وقت الدراسة عبر المنصات التعليمية وملاصقة أعينهما لشاشات الأجهزة المحمولة لساعات وشوقهما لرؤية أصدقائهما أدركت أن ذهابهما للمدرسة وعودتهما بعد يوم حافل بالمعرفة والأنشطة والواجبات نعمة، وأن تسكعي بمفردي أو بصحبة عائلتي أحياناً بلا هدف نعمة، وأن الصحة التي كنا ننعم بها ولا زلنا كذلك نعمة، وأن الهواء الذي نستنشقه تلقائياً وبلا شعور نعمة.

أما بالنسبة للعملية التعليمية الاستثنائية خلال العام الدراسي المنصرم وبغض النظر عن حجم التهكم ضد تطبيقات ومنصات التعليم عن بعد، ورغم كثرة الأعطال التقنية التي عانى منها معظم الطلبة والمعلمين والمعلمات على حد سواء، إلا أنها كانت حلول منطقية بديلة للعملية التعليمية التقليدية التي غدت مخاطرة ومجازفة كبيرة خلال الأوضاع الراهنة، علاوة على ذلك فإن التطبيق المخصص لطلاب الحلقة الثانية تم تفعيله بشكل جيد نوعاً ما، كما أنه لاقى استحسان بعض أولياء الأمور خاصة بعد تعرفهم على التطبيق ماهيته ومحتوياته وكيفية استخدامه، وبعد إدراكهم أنه سهَّل عليهم متابعة أبنائهم ومعرفة مستويات إنجازهم لمهامهم وواجباتهم، ومكَّنَ بعضهم من حل الاختبارات مع أبنائهم أو نيابة عنهم بشكل جماعي وبنظام الكتاب المفتوح، وعلى الرغم من ذلك لا زال أغلبهم ينادي ويطالب بعودة الطلبة للتعليم التقليدي.

أهداني كورونا رغم قبحه وخبثه وقسوته الكثير من الدروس والعبر فغيّر بعض عاداتي والكثير من انطباعاتي، فهدأت تلقائياً بعض صراعاتي وأعدتُ ترتيب قناعاتي، حين أرغمني لأول مرة على أن أنفصل جسدياً عن بيت العائلة، فاستشعرت روحانية شهر الصوم وجماله وعشت روعة طقوسه المميزة بكل حذافيرها وتنفست نهاره وليله وساعاته وأيامه وتقاسمت فرحة العيدين – على غير العادة – مع عائلتي الصغيرة فقط لعامين على التوالي، لتبقى ذكريات استثنائية يحفرها كورونا بمخالبه وأنيابه في ذاكرتي الممتلئة رغم أنفي وفمي المغطيان بالكمامة، وربما سأسردها كقصة قبل النوم لأحفادي يوماً ما لأخبرهم عن ذلك الوحش المخفي الذي دمّر العالم، ذلك القذر الذي لم تكن هنالك وسيلة لمجابهته ومحاربته سوى المعقم والصابون قبل أن يُخترع لقاح ضده، أو ربما ستبقى قصة مؤجلة حتى إشعارٍ آخرٍ.

رغم كل شيء ورغم الإغلاق الكلي لأربعة أيام متتالية -الذي ندعو الله أن يكون الأخير-، احتفلنا بعيد الأضحى بألوان باهتة وبهجة خافتة وتفاصيل متواضعة بصورة لافتة مقارنة باحتفالات الأعوام الفائتة، حتى تنور الشواء ظل خاوياً سوى من مخلفات شوي قديمة فاقداً الظروف المملوءة باللحم ناقماً على الظروف المملوءة بكورونا متحسراً على الجماهير التي كانت تتحلق حوله خلال أيام الأعياد الماضية، وبعد أن تم اكتشاف لقاح ضد كوفيد ١٩ ووصوله لأرض السلطنة ورغم انقسام الناس إلى فريقين فريق مؤيد لأخذ التطعيم وآخر معارض، إلا أن الغالبية العظمى قد سارعت للحصول على جرعة واحدة منه على الأقل، حتى طلبة المدارس توجه معظمهم لأخذ التطعيم ونأمل أن يعودوا لصفوفهم ولمقاعد الدراسة التقليدية قريباً إن شاء الله، وخلاصة ما أردت إيضاحه قد يختصره بيت الشعر التالي للشاعر علي الخوّار :

وأنا لو إني من الزمن صِرْت ضايق  ..  بس أشكره جداً كشف لي حقايق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى