أصداء وآراء

كورونا وفرصة تطوير التعليم الإلكتروني..

الكاتب/ طلال بن حمد الربيعي

 

كورونا وفرصة تطوير التعليم الإلكتروني..

 

قبل أكثر من عشرين عاما كتبت مقالاً بعنوان : التعليم الاساسي الي أين ؟

حيث كان تطبيق التعليم الاساسي في تلك الفترة شغل المجتمع الشاغل بمختلف فئاته والذي انقسم  بين مرحب ورافض ومحايد..

وذكرت حينها أن التعليم الأساسي هو واقع المرحلة، إذ إننا لسنا في معزل عن العالم، ولابد أن نعايش المستجدات ونطورها وفق رؤيتنا الخاصة وفلسفتنا التربوية ..

حصل نقاش وجدال كبير وخاصه من ناحيه تأنيث الحلقة الأولى واختلاط الطلاب في الصفوف من (1-4) ؛ وعلى أثر ذلك شكلت الوزارة لجنة، واستعانت ببيت خبره لتقييم التعليم الأساسي في الحلقة الأولى، كان ذلك في عام ٢٠٠٣م، أي بعد خمس سنوات تقريبا من تطبيقه، وتناولت ذلك في مقال آخر بعنوان تقييم التعليم الأساسي..

بعد فترة توقف الحديث عن التعليم الأساسي لأنه أصبح واقعاً نعيشه ..

الآن نحن نعيش مرحلة جديدة في التعليم، نظراً للظروف المحيطة بنا، وما تسببت به جائحه كورونا من إغلاق للمدارس والكليات والجامعات، هذه المرحلة تطلّبت نوعاً جديداً من التعليم لم يكن موجوداً أو متّبعاَ من قبل، وهو التعليم عن بعد أو التعليم الإلكتروني وهو نوع من التعليم، يقوم على فكرة توصيل المادة التعليمية للمتعلم (الطالب) عن طريق وسائط وأساليب تقنيه مختلفة وليس بشكل مباشر في المدرسة..

ومما لاشك فيه فإن هذا الأمر خلق أكبر إرباك للنظام التعليمي التقليدي القائم، مما جعل بعض الدول تحاول الجمع بين النظامين التقليدي والإلكتروني، من خلال ما يعرف بالتعليم المدمج..

كثر الحديث خلال الفترة الماضية عن التعليم عن بعد وعن التعليم المدمج الذي يجمع بين النظامين، وانقسم المجتمع والتربويون بين مرحب ومعارض ومحايد متخوف..

ولكن نظراً لاستمرار الجائحة وحفاظاً على صحة وسلامة الطلّاب والهيئة الإدارية والتدريسية، إرتأت الحكومة تطبيق التعليم عن بعد في معظم المدارس بالسلطنة ذات الكثافة العالية والتعليم المدمج في المدارس الأقل كثافة..

كانت البدايات صعبة تمثلت في كثير من العوائق بسبب نقص الموارد المتاحة (أجهزة حاسوب…) وضعف شبكة الإنترنت أو كحدودية الوصول إليها في كثير من المناطق خاصة الجبلية والبعيدة، ونقص الدعم المتوفر من أفراد الأسرة كون الأب والأم في أكثر الأسر إما في العمل أو أنهما ليسا على دراية باستخدام التقنية والحاسب الآلي، فضلاً عن صعوبة التواصل المباشر مع المعلمين..

ولكن مع الاستمرار بدأت تتذلل بعض العقبات تدريجيا .. وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في اي تجربه جديده لابد ان تظهر عقبات وبعض المشكلات .. نعم هناك تذمر وعدم اقتناع لدى كثير من أولياء الأمور لهذا النوع من التعليم الذي شكل عبئاً عليهم، حيث إن الثقافة السائدة لدى المجتمع أن المدرسة والمعلم بشكل خاص هو المسؤول عن التعليم فقط..

الإشكالية الأخرى التي ظهرت، هي أنه حتى بعض من إدارات المدارس والمشرفين والمسؤولين في وزارة التربية والتعليم والذين من المفترض أن يكونوا قائمين على تذليل العقبات التي تظهر في هذه المرحلة الطارئة من التعليم بدأت تتشكل لديهم قناعات بعدم جدوى ذلك، وأنه لابديل عن المعلم أو الصف الدراسي الواقعي وليس الإفتراضي، وهذا انعكس بوضوح  في المدارس التي تطبق التعليم المدمج، أو يفترض أن تطبق التعليم المدمج  الذي تبنته الوزارة، حيث لم يتم تطبيقه بمفهومه الذي يجمع بين التعليم التقليدي والتعليم عن بعد (الإلكتروني)، الحقيقة أن المدارس طبقت التعليم التقليدي ولكن بنسبه حضور ٥٠٪ للطلاب، وأصبحت المنصّات التعليمية التي من المفترض أن تستخدم للواجبات والأنشطة حسب مفهوم التعليم المدمج لا تستخدم نهائياً، وفي حالات نادره يستخدمها قلة قليلة جداً من المعلمين والكل يعلم ذلك، ولكن تظل قناعات لا يمكن تغييرها بسهوله؛ ربما يكون هذا ناتج عن حداثه التجربة، وتولّد قناعات بعدم جدوى هذا النوع من التعليم، أو أنه قلة اطّلاع حول مفهوم التعليم المدمج..

السؤال الملح الآن والذي يطرح نفسه : هل هناك من يتبنّى التعليم عن بُعد أو حتى التعليم المدمج، خاصة من القائمين عليه والمتابعين له في وزارة التربية والتعليم ؟ 

بصراحه ومن خلال تجربة شخصية لم أجد أحداً، حيث الملاحظ أن القناعة الراسخة لدى الكثيرين ممن يعملون في الحقل التربوي، بأنه لا يوجد بديل حقيقي عن المدرسة، وعن الصف الدراسي والتواصل المباشر بين المعلم والطالب وليس الافتراضي..

إنطباع لمسته ولكن لا يظهر على السطح بقوه لضرورات المرحلة فقط، الكل يخشى التجربة الجديدة نتيجة صعوبات مختلفة بعضها واقعي، وبعضها غير ذلك، وهذا الخوف حاجة فطرية في الإنسان، خاصة عندما يخوض تجربة جديدة ..

من وجهة نظري فإن الإخفاقات هنا وهناك لا تعني الفشل دائماً، وإنما الإصرار على مواجهه التحديات، ولكن للأسف ليس لدينا ذلك النَّفَس الطويل أو الوقت، الكل يتحدث عن التعليم التقليدي ووجود الطالب في المدرسة، والتفاعل المباشر بينه وبين المعلم، نعم هذا هو الأصل في التعليم، أو لنقل أن هذا هو التعليم الذي نشأنا عليه ورسخ في عقولنا .. فأيّ تغيير عن النمط السائد المتعارف عليه يجد اعتراضاً وإشكاليات كبيره في البداية، ومع ذلك ستظل تجربة التعليم عن بعد والتعليم المدمج (الطارئة)، تجربة فريدة وجديدة بحاجة إلى كثير من الدراسات والمراجعات، أرجو أن تجد من يسلط الضوء عليها بشيء من الحيادية والنظرة العميقة، خاصة أنه من المؤمل خلال الفترة القادمة رجوع الحياة إلى سابق عهدها، وعودة أبنائنا الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم في ظل وصول اللقاحات، وانحسار الجائحة تدريجياً.

وفي الختام نقول : ما لا يدرك كُلّه لا يترك جُلّه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى