أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

لـن يـمـر نـوفـمـبـر هـكـذا..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلمانية

 

لـن يـمـر نـوفـمـبـر هـكـذا..

 

كلما أطلّ نوفمبر أطلّت معه البشائر والبهجة، ولن يمر نوفمبر هكذا مرور الكرام، بل ستظل قلوبنا تستقبله بفخر ممزوج بدموع الفَقْد والشوق على الدوام، فما أصعب الفَقْد حين يكون الفقيد حبيباً عظيم المنزلة، وقلباً وروحاً لوطن بأكمله، وما أعظم الفَقْد حين يكون الفقيد رجل العطايا والأمجاد المذهلة، رجل لن تفي حقه كل قصائد الشعر، ولن تحصي فضائله كل الكتب والمؤلفات، ستظل دماؤنا وفيةً لباني عمان عظيم الأثر وسيم المحيا جميل المبسم، المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد _ طيب الله ثراه _، وسيظل اسمه براقاً كبريق صنائعه ومنجزاته العظيمة على هذه الأرض الطيبة، التي ما فتئت تبكيه وتدعو له بالرحمة والمغفرة، فنحن لم نفقد حاكما أو قائداً عادياً، بل فقدنا أعظم الحكّام وخير القادة، أعز الرجال وأنقاهم سيرة وسريرة..

لقد فقدنا أباً حنوناً معطاءً عرفناه منذ أن أبصرت أعيننا النور، أباً محباً رعانا منذ نعومة أظافرنا حتى كبرنا، فقدنا مربياً ربانا على أخلاقٍ وقيمٍ ساميةٍ، وغرس فينا حب الوطن وأسقانا الانتماء إليه، وكان مُهذِّباً حيث هذّب فينا أقوالنا وأفعالنا، لقد فقدنا مُعلماً علمنا أبجديات اللغة والحياة وعلمنا حب العلم والعمل والشجاعة والتصدّي للصعاب، حين سخر كل الإمكانيات لنقل التعليم من ظل الشجر إلى صروحٍ شامخةٍ تنتشر في مختلف ربوع عُمان، لقد فقدنا مرشداً أرشدنا لطريق المجد والسعادة، وغرس فينا أن العمل طاعة وعبادة، ورسم لنا خارطة طريق المستقبل المشرق والريادة، فلمّ شتاتنا بعد فرقة، ومهّد لنا الطرق لتسهيل عبور وسائل المواصلات، وهيأ المدارس والمعاهد والجامعات، وأنشأ المراكز الصحية والمستشفيات، وأسس الوحدات الحكومية والمؤسسات، وأوجد سبل التواصل والاتصال، واهتم بالتنمية في جميع القطاعات، وأوجد لنا الحياة الكريمة بكل معانيها وبكافة المقومات.

لقد فقدنا نبراساً ونوراً أنار لنا كل الطرق المظلمة لدرجة أننا لم نرى الظلام يوماً، حيث كنا نرى ملامح وجهه في كل طريق نسلكه، لقد فقدنا رجل السلام الحكيم الكريم الهُمام، الذي حثنا على الالتزام بالقوانين واحترام النظام، وأكرمنا بالعدل والأمن والأمان، وأبدع بفكره السديد ورؤيته الثاقبة في بناء عُمان، لنعيش بعزٍ وكرامةٍ في خير الأوطان، لكننا لا نزال نواصل السير على نهجه وخطاه، رغم غصة الحنين التي تذبح قلوبنا لرؤية محياه، وسنظل نحبه وندعو له للأبد لأنه سيبقى خالداً في أعماقنا.

لم يكن الثامن عشر من نوفمبر يوم ميلاد قابوس بن سعيد وحسب، بل كان ميلاد كل العمانيّين، فعمان بأسرها ولدت يوم ميلاده _ رحمه الله_ واستبشرت كل الأرجاء بمقدمه، وأوفى بوعده حين وعد .. بأنه سيعمل بأسرع ما يمكن لجعلنا نعيش سعداء، لا زال صوته يسري في دواخلنا، ولا زالت خطاباته وكلماته الخالدة تصدح فينا، ولا زالت ابتساماته تبث فينا حماسا وأملا، نوفمبر ليس ككل الشهور فهو الشهر الذي يُنعش الوطنية ويُجدد الانتماء لهذا الوطن الغالي، والولاء للسلطان المفدى، ويعمّق الرسوخ والشموخ في نفس كل فرد ترعرع في أحضان عُمان الأبية.

لن ينتهي حبنا لقابوس أبداً ولن يموت اعتزازنا به ما حيينا، ولا زلت أحلم بتقبيل يده الكريمة حتى الآن، فحتى الصغار لم يستوعبوا فقده، إذ لا زالوا بين الفينة والأخرى يرددون بعفوية وتلقائية “أبشري قابوس جاء”، وكأنهم يجزمون بأن روحه الطاهرة لا زالت بيننا حاضرة، وأن اسمه سيظل مطبوعاً بحروف من ذهب في كل ذاكرة، لكن ما يُهَوّن علينا بعض الفقد، أن ابن عمّه ومن أوصى هو به جلالة السلطان هيثم بن طارق _ حفظه الله ورعاه _ هو سلطاننا الذي سنكمل معه المسير، وهو خير خلف لخير سلف، وكلنا يقين وإيمان بما توسم فيه من الصفات والسمات القيادية، وندعو الله أن يؤيّده، ويرزقه البطانة الصالحة، وأن يسدّد على طريق الخير خطاه.

فلروحك السلام والأمان أبانا قابوس .. ولك من الله الرحمة والزلفى..

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى