أصداء وآراء

لقاحات كورونا وصراع الملكية الفكرية..

لقاحات كورونا وصراع الملكية الفكرية..

الكاتـب/ أسامـة سليـمان

محلّل اقتـصادي – فـيـيـنّا

 

لقاحات كورونا وصراع الملكية الفكرية..

 

الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية لوباء كورونا باتت واضحة للجميع ومحور اهتمام وسائل الاعلام فى كل دول العالم اضافة الى مواقع التواصل الاجتماعي ولكن الجائحة لازال لديها العديد من الملفات الساخنة التى تتفجر كل يوم وتضع المجتمع الدولي أمام تحديات متجددة وغير مألوفة.

الملف الأكثر سخونة والذي طفا على السطح مؤخرا هو حقوق الملكية الفكرية للقاحات كورونا التى تنتشر كل يوم بوتيرة سريعة في كل العالم ، وهل من حق الشركات المصنعة أن تحتكر تركيبة اللقاحات ولا تستطيع أي جهة انتاجها بدون استئذان الشركة المبتكرة ؟.

الاجابة جاءت على غير المتوقع من الإدارة الأمريكية والتى اتخذت موقفا مفاجئا يصطدم مع مفاهيم الاقتصاد الحر حيث انحازت فى موقف نادر الى صف الدول الفقيرة والعديد من منظمات الإغاثة عن طريق مطالبة شركات الأدوية أن تفقد مؤقتًا حماية براءات الاختراع الخاصة بلقاحات كورونا الخاصة بها.

وفى ضوء ذلك يمكن للمصنعين في جميع أنحاء العالم إنتاج اللقاحات دون الحاجة إلى دفع رسوم الترخيص لشركات “فايزر – بيونتك” و “مودرنا” الأمريكيتين ، وهو التوجه الصادم لشركات الأدوية العملاقة متعددة الجنسيات ، كما أبدى أيضا الاتحاد الأوروبي حالة من الانفتاح بشأن النقاش حول براءات اختراع اللقاحات.

وبات الاقتصاد الدولي أمام تحول استثنائي غير مسبوق حيث سوف يتعين على أكثر من 160 دولة الموافقة على تجاوز لوائح حقوق النشر الدولية استجابة للمبادرة الأمريكية والمدعومة من المفوضية الأوروبية.

وقد اتفق الاوروبيون والأمريكيون على هذه الخطوة التاريخية البعيدة عن المصالح المالية والاقتصادية ، والتي تنحاز الى الشعوب الفقيرة بالأساس ، وترى أنه من المهم أن يتم تطعيم أكبر عدد ممكن من الناس في جميع أنحاء العالم بأسرع وقت ممكن من أجل دحر الوباء.

الموقف الأمريكي المدعوم من المفوضية الاوروبية حظى بدعم مماثل ومستقل من حكومات فرنسا وألمانيا والنمسا وهو ما يعني أن الجميع يدرك مخاطر المرحلة وينحي جانبا قوانين السوق ويغلب الابعاد الاجتماعية والصحية على أي مصالح أخرى.

ومثال على ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن أنه “يؤيد تماما إلغاء الملكية الفكرية” ، وأن تصبح اللقاحات “منفعة عامة عالمية” مع العمل على تطوير اللقاحات “بالشراكة مع البلدان الأفقر”.

وبالتأكيد أن هذا الموقف خاص فقط بالجائحة ولن يتكرر في قضايا أخرى ، حيث قالت الممثلة التجارية الأمريكية كاثرين تاي : إن الولايات المتحدة تقف وراء حماية الملكية الفكرية ، ولكن الوباء أزمة عالمية تتطلب خطوات غير عادية وسيظل الهدف هو الحصول على أكبر عدد ممكن من اللقاحات الآمنة والفعالة في أسرع وقت ممكن لأكبر عدد ممكن من الناس”.

كما تحمست منظمة الصحة العالمية كثيرا للموقف الامريكي حيث اعتبر مديرها العام “تيدروس أدهانوم غيبريسوس” أن القرار يقاوم عدم المساواة في توزيع اللقاحات.

وفى المقابل جاء موقف شركات الأدوية متحفظا ، حيث كشفت عن جوانب أخرى من القضية حيث اعتبرت شركة “بيونتك” أن هذا ليس حلاً  لأن اللقاح معقد في التصنيع ويجب ضمان الجودة ، وتتغلب الشركة على هذه المشكلة عن طريق منح تراخيص للمصنعين الأكفاء.

كما تتحفظ صناعة الأدوية على القرار باعتبارها تستثمر أموالا طائلة في الأبحاث على مسؤوليتها الخاصة ، وأنه يجب أن تكون الشركة أيضًا قادرة على تحقيق عوائد لاسترداد الاستثمارات ومكافأة المساهمين ، كما تخوّفت من أنه بدون براءات اختراع  يمكن أن يؤدي ذلك إلى انتشار اللقاحات المغشوشة.

والخلاصة أن المجتمع الدولي على طريق استعادة البعد الإنساني وتغليبه على قوانين السوق التى لا تعرف الرحمة !!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى