أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

لكـي تبقـى مسقـط جميـلة !!..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلمانية

 

لكـي تبقـى مسقـط جميـلة !!..

 

هناك ظواهر كثيرة طفت على السطح وأصبحت تتفاقم خاصة في أحياء مسقط العامرة، ففي أثناء ممارستي لرياضة المشي المعتادة في الحي الذي أقطنه لفتت انتباهي تلك المادة البرتقالية المُحمرّة والتي تقع عيناي عليها في كل حدب وصوب، تلون التربة تارة، وتارة أخرى تكون معبأة في قناني المياه أو علب العصائر الفارغة، وأراها على جدران البيوت والمحلات، أينما اتجهت أراها تملأ الطرقات الداخلية ملقاة على جوانبها، في منظر مقزّز يشوه المظهر العام والبيئة ويشكّل خللاً يشل جمال الواجهة الحضارية لمحافظة مسقط، بل يدق ناقوس الخطر والحذر ويترك انطباعاً سيئاً لدى العابرين بين طرقاتها وأحيائها أو المارين ببعض ضواحيها، تلك المادة يطلقون عليها (بامبراك) أو (بان بهار) أو (جوتكا)، كما أن لها مسميات أخرى عديدة.

في الواقع ذلك المنظر أدمى قلبي حسرة وألماً وتركني أحترق شفقة وغيرة على حال الجميلة التي هتك عرضها (المتبمبركون)[1]، وصرت أتأمل ما آل إليه البعض من استهتار ولا مبالاة بأهمية الحفاظ على نظافة وجمال الأحياء السكنية أو التجارية، فحملني حبي لأرضي ومسقط رأسي ومن منطلق المسؤولية الاجتماعية على أن أتناول هذه الظاهرة الممقوتة وأفتّش عن بعض أسرارها الغامضة كمحاولة متواضعة لإيجاد بعض الحلول للقضاء عليها أو على الأقل للحد منها، للأسف لست أعلم كيف يتم الحصول على مادة البامبراك أو من هم مروّجوها ومسوّقوها ؟ أو من أين يجلبونها ؟، لكن المشاهد التي لاحظتها مؤخراً جعلتني أجزم أن هذه المادة متوفرة بكثرة وفي متناول الجميع، ولكن ربما يتم الحصول عليها بطرق سرية نوعاً ما؛ لكونها من المنبهات الممنوعة، ولأن مصنّعوها ومسوّقوها يمتهنون مهنة مشبوهة؛ لذلك فهم يمارسونها في الخفاء بحذر، كما أن لهم بؤر وأوكار خاصة يعرفها جيداً متعاطوها الذين يدّعون أنها تساعدهم على الاسترخاء والتركيز وتنشيط الذهن.

معظمنا يعلم إن لم يكن جميعنا أن هناك قانون يمنع البصق في الأماكن العامة ومخالفته تتسبب بغرامة، ولكن يبدو أن القليل يحترم ذلك القانون ويتخذه منهجاً في حياته، أو ربما لم يطبّق ذلك القانون تطبيقاً فعلياً على أرض الواقع، وإلا لما لطّخت وشوّهت تلك المادة المقزّزة طرقات وجدران الأحياء السكنية والمحلات التجارية وممرات المتنزهات والحدائق العامة، ربما يتساهل البعض في ذلك لعدم وجود رقابة أو آلية لتَتَبُع المخالفين وتطبيق المخالفة في حقهم، وكذلك بائعي هذه المادة ومسوّقيها، هناك بُلدان عمدت إلى وضع كاميرات مراقبة في الأحياء والطرقات، وبلدان أخرى عملت على توظيف أشخاص مهمتهم مراقبة المخالفات التي تتم في الأماكن العامة، كالبصق على الأرض، أو رمي المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، أو أي تصرف خاطئ أو مخل بالأنظمة المتعارف عليها، أتمنى أن تحذو بلادنا حذو تلك البلدان أو تتخذ حلولاً مشابهة في القريب العاجل؛ من أجل مراقبة وضبط المخالفين ووضع حد لمخالفاتهم، وأن يتم وضع قانون صارم يمنع تعاطي البامبراك على الأقل في الأماكن العامة حفاظاً على مكتسبات الوط،ن وأن يُغرّم كل من يخالف القانون.

من الجيد أيضاً بل حبذا أن تقوم بلدية مسقط بوضع لوائح تحذيرية في الأحياء والأماكن العامة والأسواق لعلها تكون رادعاً تحذر من استخدام البامبراك، وتمنع رمي مخلفاته أو سكبه أو بصقه على الطرقات، بالإضافة إلى تنظيم حملات توعوية وحملات تفتيش بالتعاون مع الجهات المسؤولة بغرض الحد من تداوله واستخدامه؛ نظراً لما يسببه من تشويه للمنظر العام، وحتى لا يسوء الوضع أكثر مما هو عليه الآن، ناهيك عن كونه مصدر جذب للأوساخ والحشرات والأمراض وتسببه في الكثير من المشاكل الصحية، فالمنظر العام في بعض الأحياء بالفعل بات بشع ومقزز ومثير للاشمئزاز، ولا يمت بأي صلة إلى التمدن والرقي الذي من المفترض أن يعكسه الوجه الحضاري لمحافظة مسقط، بل يعكس مدى الإهمال وقلة الوعي وعدم المسؤولية واللامبالاة، فحتى جدران بعض المنازل والمحلات والطرق المسفلتة لم تسلم من تلك المادة الملونة، أو ذلك المحلول الذي ساهم في تلوين أجزاء من جدرانها بلون آخر مخالف وغيّر معالمها وشوهها أيما تشويه.

البامبراك ليس مشوهاً للمنظر العام وملوثاً للبيئة فقط، ولكنه أيضاً مُضِر بصحة الإنسان، فهو يتسبب في أضرار للثة والأسنان، وأمراض خطيرة كالسرطان؛ لأنه يحتوي على تبغ ممضوغ ومواد ملونة تحوي أصباغاً ومركبات أخرى تؤثر على الجهاز العصبي، وقد تسبب أضراراً بالجهازين الهضمي والتنفسي على المدى البعيد.

الأدهى والأمر من ذلك كله هو أن تعاطي هذا السم القاتل أصبح كنوع من التسلية لدى بعض الشباب والناشئة، بل بات يتنافس في تعاطيه الصغار والكبار كأنه علكة أو حلوى أو قهوة للضيافة، والأغرب من ذلك وجود تحذير صريح على غلافه يُحذّر من خطورة تعاطيه، وبالرغم من ذلك فإن الفضول قد دفع الكثير منهم إلى التقليد والتجربة حتى تزايد متعاطوه، فكان دخولهم إلى عالم التجربة والمغامرة سهل للغاية ولكنهم لم يدركوا أن الخروج منه في منتهى الصعوبة، كتجربة تدخين سيجارة لأول مرة ثم يصبح تعاطيها عادة يَصعُب الإقلاع عنها أو تركها بسهولة، لتجر خلفها إدمان مواد وأصناف ممنوعة أخرى أشد وأكثر خطورة، فيقعون ضحية في شراك الإدمان وفريسة سهلة بين أيدي تُجّار الممنوعات، وقد يتطور الأمر إلى الاتجار بها، فيتحول متعاطيها تدريجياً من مجرب إلى مدمن فمُرَوِّج.

تعتبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها أداة فعّالة في خدمة المجتمع، فهي تُمثّل دوراً كبيراً ومهماً في توعية وإرشاد المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة بجوانب مهَمة تمس صحتهم وحياتهم العامة، حيث يمكن إبراز دورها في هذا المجال من خلال التعاون والتنسيق مع وزارة الصحة وبلدية مسقط وبلديات المحافظات، وأي جهة أخرى معنية أو ذات علاقة بهذا الجانب؛ وذلك لإعداد مطويات وكتيبات ومنشورات وبرامج توعوية وتحذيرية تتناسب ومختلف فئات المجتمع؛ لتوعيتهم بخطورة هذه الظاهرة وأبعادها ونتائجها، وبأضرار استخدام البامبراك وتأثيره على الصحة والبيئة والمجتمع بشكل عام، كما لا يمكن إنكار أو إغفال دور بعض الجمعيات الأهلية والتطوعية التي كانت ولا زالت تلعب دوراً مهماً في تنظيم وتنفيذ حملات للمحافظة على نظافة البيئة، والتي ساهمت في تخفيف الكثير من العبء عن العاملين في مجال خدمات النظافة.

إن الواجب الوطني يُحتّم علينا جميعاً أن نتعاون للحفاظ على بلادنا وبيئتنا لتكون دائماً جميلة وأن نحميها من المشوهات التي تُدمّر جمالها والملوثات التي تُدنّس طُهرها، كما يجب أن نتكاتف لنحمي أبنائنا وذوينا من الوقوع في براثن هذه الآفات الضارة والمدمرة للصحة، وأن نعمل على تعزيز حب الوطن في نفوسهم بشتى الطرق والوسائل، وأن نغرس فيهم واجب الحفاظ على نظافة البيئة والمجتمع، وأن نربيهم على تجنب استخدام ما يضر صحتهم ويضر المجتمع، وعدم رمي ما يشوه المنظر العام في الأحياء السكنية والطرقات العامة ورميها في الأماكن المخصصة لذلك، فلنبادر بنشر الوعي والمسؤولية تجاه المجتمع، والوطن أمانة في أعناقنا ويجب علينا صونه والحفاظ على جماله ومكتسباته، ولا يتأتى ذلك إلا بتظافر جهود الجميع سواء كانوا أفراد أو جماعات قطاع عام أو خاص.

[1] الأشخاص الذين يتعاطون أو يستخدمون مادة البامبراك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى