أصداء وآراء

 لمـاذا أنـا معـارض مـنذ زمـن بعـيـد ؟؟!!..

 

الكاتـب/ جـمـال أسـعـد

 

 

لمـاذا أنـا معـارض مـنذ زمـن بعـيـد ؟؟!!..

 

من نِعَم الله على البشر والبشرية أن جعل هناك اختلافًا، فالاختلاف الذي تمثل في الثنائية الحياتية الخير والشر، الليل والنهار، القبح والجمال، الظلم والعدل، الأبيض والأسود.. إلخ، فهذه الثنائية هي التي تجعل للحياة مذاقا، وللأمل طريقًا، وللرزق سعيًا، وللنضال مشروعية.

وهذا يعني أن الحياة لا تستقيم بغير هذه الثنائية التي تعطي القدرة على الفعل، وتهيئ العقل حتى يميز الغث من الثمين، وهذا ينطبق أيضًا على الرأي والرأي الآخر، فهل يمكن أن يسير الكون وتستقر الأوضاع وينشط العقل ويتعمق الفكر بدون هذه الثنائية؛ الرأي والرأي الآخر ؟

وعلى ذلك وجدنا ومنذ بَدْءِ الخليقة هناك الرأي والرأي الآخر، وقد تمثل في أن آدم كان له اختيار آخر غير الذي أعلمه به الله سبحانه وتعالى، فكان لآدم اختياره في مقابل دفع الثمن، كما أن قصة قابيل وهابيل تسير في نفس الإطار، وتصب في نفس المسار، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هناك رأي آخر يمكن أن نطلق عليه رأي معارض نسبة إلى رأي الأغلبية، فالأغلبية ذاتها لا يستقيم أمرها، ولا تتأكد من قرارها بغير الرأي الآخر الذي ينير لها الطريق، ويؤشر على سلبياتها وينبه لأخطائها.

هنا يكون الرأي الآخر (المعارض) له نفس الأهمية التي هي لرأي الأغلبية، حيث إن الأغلبية – أي أغلبية – لو تفردت برأيها دون سماع الرأي الآخر أصبحت تعزف عزفا منفردا، لا يسمعه غيرها، ولا يستسيغه من هم دونها، وعلى هذه الأرضية ولتلك الأهمية، أدركت العلوم السياسية أهمية الرأي الآخر المعارض، الذي أصبح جزءًا من النظام السياسي، فلا نظام سياسي صحيح يكون بغير أغلبية تحكم ومعارضة تنبّه وتضيف وتصحّح، وهنا بعيدًا عن الحديث الذاتي الذي لا أفضّله إلا كمثل معاش يمكن أن يوضح بعض الأمور، فلماذا أنا معارض ؟!!.

لا ولن أكون معارضًا من أجل المعارضة، فهذا مرض ينم عن ضعف الشخصية، وحب الذات، ومحاولة للفت الأنظار، وفي أوقات كثيرة يكون طريقا للاسترزاق، وهنا لا بد للمعارض أن يحمل رؤية موضوعية تكون بديلًا للموضوع والقضية التي يعارضها .. لا بد أن يتحرك المعارض من أرضية إصلاحية في المقام الأول ولصالح المجموع والوطن، لا يطلب المعارض ما لنفسه، بل يبذل نفسه من أجل القضية التي آمن بها بعيدًا عن النظرة الذاتية والاستفادة الشخصية، لا يتصور المعارض أنه يمتلك الحقيقة المطلقة بمفرده، ولكنه الحوار الهادئ والموضوعي الذى ينير الطريق للرأي والرأي الآخر، وجدت نفسي وأنا صغير كأحد أبناء الكنيسة معارضًا لأشياء لا تتناسب ولا تتسق مع القيم المسيحية والكنسية، هذا الذي أدركته بعد ذلك بما سُمّي بتصحيح الفكر الديني.

كنائب سابق، إضافة للمقالات السياسية في الصحف والمجلات القومية والحزبية واللقاءات التلفزيونية، عارضت نظام مبارك من أرضية وطنية، رفضت التوريث والتمديد، ولكن وقفت مع النظام من أجل وحدة الوطن في مواجهة مجموعة من أقباط المهجر، الذين كانوا يلعبون دور المبرر الذي يطلب التدخل الأجنبي في شئون الوطن، تحت ادعاء حماية الأقلية القبطية.

ما زلت معارضاً لا أبتغي غير مصلحة الوطن؛ مصر الغالية والعزيزة التي تعيش في داخلنا وتمتزج بدمائنا، ومصلحة المصريين الذين أنا مواطن منهم، فهل نعي دور المعارضة من ناحية الحاكم الذى يعطي الفرصة للمعارضة ولصالح الوطن ومن ناحية المعارضة في أن تتحرك على الأرضية الوطنية، حتى تتوافق الآراء وتتحد القلوب وتلتقي الأفكار لصالح مصرنا الغالية ؟.

(قيل لأسانثيوس الرسول : العالم ضدك يا أسانثيوس .. قال : وأنا ضد العالم؛ لأنني لا أريد شيئًا من هذا العالم).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى