أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

لن أكتب مقالاً عن “فواتير الكهرباء”!!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

لن أكتب مقالاً عن “فواتير الكهرباء“!!..

 

طلب مني أكثر من صديق وأكثر من متابع أن أكتب عن قضية فواتير الكهرباء التي تشغل الناس هذه الأيام وتفجر مواقع التواصل وتحرق صدور الخلق وتؤلم قلوب العباد.

أنا حقيقة لا استطيع الكتابة عن فواتير الكهرباء رغم أنني حين وصلتني فاتورة هذا الشهر أصبت باختناق وصعوبة في التنفس وزخة من الغثيان.

وانتابني غضب شديد وأصارحكم بأنني بحلقت عيني الاثنتين ولوّحت بيدي الطويلتين بطريقة بهلوانية جنونية ولحسن الحظ بأنهما لم تصفع أحداً من أولئك الواقفين بجانبي.

لاحظوا هذا أنا صاحب الراتب الجيد والوضع المعيشي الجيد وأصبت بتلك الأعراض العنيفة.

كنت واقفا حين استلمت الفاتورة فاضطررت أن اجلس حتى أخفف من حدة الغضب واخفض من معدل الغليان ولكن للأسف ظل الوضع كما هو ..

ظلت حرارتي مرتفعة وصدري يغلي كمرجل الهريس .

فذهبت إلى بيتي حتى لا اصدم أحدا في الشارع أو ارتكب جريمة في الطريق.

ذهبت مسرعا إلى بيتي لأطفئ غضبي فرششت وجهي ورقبتي بماء شديد البرودة وتمددت على سجادة صلاة قديمة كجثة هامدة.

*****

ولكن أقول لكم بكل أمانة ليس لدي الإمكانية العصبية للكتابة عن فاتورة كهرباء مرتفعة.

لا أحتمل الكتابة في هذه المواضيع لا أطيقها ولا أحتملها.

لا أملك اللباقة الدبلوماسية ولا الروح الرياضية للكتابة عن فاتورة كهرباء مضاعفة أضعافا مضاعفة.

هذه القضايا لها متخصصون آخرون .. وهذه المجالات لها ابطال حقيقين فليس كل كاتب يستطيع أن يكتب عن فواتير كهرباء ملتهبة وليس الجميع يمكنهم الخوض و الولوج إلى عالم الكهرباء وأسرارها المكهربة.

أنا لا استطيع الكتابة عن فاتورة الكهرباء لكنني أستطيع الكتابة  عن قصة رجل كبير في السن صدمته فاتورة الكهرباء حتى تجلط ومات.

نعم استطيع كتابة ذلك وباحترافية عالية.

أستطيع الكتابة عن قصة رجل وصلته فاتورة الكهرباء فارتفع ضغطه أو انفجر شريانه التاجي فسقط يتدحرج على سلالم بيته دون أن يصرخ أو يستغيث.

نعم استطيع أن أكتب في هذا المجال القصصي.

استطيع الكتابة عن الآثار النفسية والعصبية لفواتير الكهرباء المرتفعة وغير الطبيعية بالمرة وخطورتها حتى على تدمير العلاقات الزوجية وتفكيك الروابط الأسرية.

أستطيع الكتابة عن أثر فواتير الكهرباء المرتفعة على مرضى القلب والشرايين ومرضى السكر لكن لا استطيع الكتابة عن أسبابها وعواملها ودوافعها لأنني لا أفهمها.

أستطيع الكتابة عن امرأة أرملة زوجها في السجن وهو في حكم الأموات لأنه لن يخرج قبل عام 2030 ، وقطعوا عنها الكهرباء وقضت  عدة أيام  في بيت أحد جيرانها الصعاليك والذي كان يراودها عن نفسها قبل أن يدخل زوجها  السجن.

نعم أستطيع كتابة هذه القصة العجيبة والمثيرة.

يمكن أن أكتب لكم قصة إمرأة لديها ثلاثة أطفال أيتام .. 

واقفة تتكلم ويديها ترتعشان أمام موظف شركة الكهرباء وهي تقول له : هذه فواتيري السابقة كلها .. وهذه فاتورة هذا الشهر .. انظر إلى الفرق !!!.

ثم تنفجر في البكاء أمام جمع غفير من الرجال الصامتين والذين للأسف  لا يحملون مناديل في جيوبهم ليقدموها لها  لتمسح دموعها الهاطلة بغزارة ..

نعم أستطيع أن أكتب لكم هذه القصة المزعجة .

أستطيع الكتابة عن أسرة من أسر الضمان الإجتماعي تقبض 200 ريال في الشهر وتصلها فاتورة هذا الشهر  100  ريال  فتناصفت شركة الكهرباء  معهم راتب معيشتهم ومصاريف طعامهم وشرابهم .

نعم أستطع أن أرسم لكم هذه  اللوحة التراجيدية المؤلمة.

لكنني لا أستطيع الكتابة عن شركات تتاجر في حياة الناس وآلامهم في وطن كبريات مدنه تقع على الساحل ودرجة حرارته في الشتاء 35 درجة مئوية وفي الصيف 50 درجة مع الرأفة ومعدل الرطوبة يتجاوز 70 % طوال العام.

لا استطيع الكتابة عن أحلام الشركات وطموحاتها المالية العظيمة لأنني أجهلها تماماً.

فأنا لست متخصصاً في إقتصاد الإستثمار بالبشر واستنزاف مالهم وصحتهم وحياتهم.

لذلك أعذروني لن أكتب عن موضوع فواتير الكهرباء المثيرة للتقيؤ والقرف والاشمئزاز.

لأنني لا أفهم ماذا يحدث معنا بالضبط في وطني الرائع الجميل هذا.

فمشروع الجباية والتربح الهائل لا تمارسه شركات الكهرباء وحدها فهناك شركة المياه وشركات الاتصالات ناهيك عن تسعيرة البترول والتي ترتفع شهرياً ولا أمل في تثبيتها أو تخفيضها.

كلها شركات تجلد الناس آناء الليل وأطراف النهار وتساهم في تعاساتهم اليومية .. لماذا ؟؟!!.

مازلت لا أعرف الإجابة ولا أرغب في معرفتها !!.

تعليق واحد

  1. لم تكتب عن فواتير الكهرباء والمياه؛ ولكنك بشعورك وأسلوبك كتبت كل شئ ووصفت الحالة التي لا نقدر عليها.
    الكاتب الصادق عين المواطن وأذنه وسوطه إن لزم الأمر …
    تحية وشكر على مشاركتك آهات ووجع المواطن البسيط والفقير وتلك نبؤة السماء لأصفيائه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى