أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

ما الذي غيّرك علينا يا مازن ؟؟!!..

الدكتور/ محمد بن ناصر الصوافي

 

ما الذي غيّرك علينا يا مازن ؟؟!!..

 

قصة قصيرة جِدًّا..

منذ بضعة أسابيع مضت مَنَّ المولى علينا ببنتٍ كالقمر، ومع لهفة انتظار المولود المرتقب كنت أخشى أن يؤثر ذلك في نفسية طفلي الأصغر (ذي الأربعة أعوام ونصف)، ولكن ما إن أقبلت المولودة وقع ما كنت أخشاه ولا أتمناه، وكأنها النبوءة المحققة لذاتها؛ رغم سعيي الدائم لتهيئة نفسية طفلي سلفًا لقدوم الضيف المنتظر الجديد.

أصبح طفلي عدوانيًا، يلجأ إلى رفع الصوت والصراخ حتى يحصل على ما يريد، مع نوبات من الغضب، ويصبح مزعجًا يسبب الضوضاء والتخريب لممتلكات غيره، شديد التعلق بأمه، ينام في سرير الرضيع الجديد نفسه، بينما ينفر من والده، يصر على أن تحمله أمه؛ فيرفض المشي أو يدعي المرض لا سيما وقت النوم، ورجع أو نكص سنوات للخلف بسلوكه كالتبول على نفسه، والخوف من الذهاب إلى الحمام، وإذا ذهب فإنه يطلب المساعدة في عملية الغسيل، والتحدث بأسلوب الأطفال الأصغر منه سنًا في بعض الأوقات، كما تغير مزاجه، ورافق ذلك فقدان الشهية نتج عنه نقص حاد للوزن، وبالإضافة إلى ما سبق رفض الدراسة والقراءة رغم أنه كان مقبلًا عليها بشدة قبل قدوم الضيف الجديد.

إنها الغيرة لدى الأطفال..

وتعرف بأنها : مشاعر وأحاسيس داخلية تنتاب الطفل، وهي عبارة عن مزيج من الغضب والخوف معًا، تكون متناقضة في بعض الأحيان، والتي لا يستطيع الطفل التحكم فيها أو التصريح بها، قد تؤدي بالطفل -في بعض الأوقات- إلى اقتراف أي نوع من السلوكيات الخطيرة في حق نفسه أو أخيه دون إدراكه التام لعاقبة سلوكه.

والغيرة عند الأطفال غريزة وطبيعة تظهر عندهم حينما يحسون أنهم فقدوا الحب والاهتمام الذي كانوا يحظون به سلفًا؛ ولذا على الآباء والمربين ملاطفتهم منعًا للنزاع والصراع، كما يمكن استغلالها الاستغلال الأمثل وتوجيهها الاتجاه الصحيح من خلال التشجيع والتحفيز.

ولكن ما أسباب الغيرة لدى الأطفال بشكل عام ؟!..

من الأسباب أو العوامل التي تؤدي إلى الغيرة لدى الأطفال :

1. ولادة طفل جديد : وهي من أوضح صور الغيرة لدى الأطفال، وتظهر خاصة لدى الطفل الأصغر عند قدوم طفل جديد آخر.

2. غياب العدل بين الأبناء : فتنشأ الغيرة والحسد بينهم، ويكيدون لبعضهم بعضًا.

3. المقارنة بين الإخوة : وهي صفة قبيحة لدى بعض الآباء، فيقارن بين أفضل صفة لدى طفل معين مع أسوأ صفة لدى طفل آخر، مع فارق العمر والذكاء والقدرات والإمكانيات.

4. الشعور بالنقص والمرور بمواقف محبطة : من أقسى أنواع الغيرة لدى الطفل عندما يشعر بالنقص كنقص الجمال، أو اختلاف لون بشرته مقارنة بإخوته، مع عدم قدرته على التغلُّب على هذا الشعور.

5. التدليل المفرط والمبالغ فيه : هنا يشعر الطفل بالرغبة بمزيد من الحب والعطف والمطالب المادية، فإذا لم يحصل عليها شعر بالغيرة والظلم والأسى؛ لأنه تعود الحصول على المزيد.

6. التحكم والسيطرة من قبل الوالدين في التنشئة الأسرية، وعدم تنمية الثقة بالنفس لدى الطفل : مما يؤدي إلى شعور الطفل بالإحباط واليأس، فتتولد الغيرة لديه ويبدأ بالمقارنات.

7. بعض الإرشادات للوالدين لتجنب الغيرة لدى الطفل الأصغر عندما نتوقع قدوم مولود جديد :

1. تهيئة الطفل بقرب قدوم الطفل الجديد : فيمكن للأم أن تسمح لطفلها بلمس بطنها، وتخبره بأن أخًا في الطريق إليه، وأن هذا الضيف الجديد سوف يكون مشاركًا وصديقًا له في اللعب، بدل أن يلعب هو وحده ويشعر بالوحدة.

2. تأكد الأم لطفلها وباستمرار أنها تحبه، وأنه هو الطفل الأكبر مقارنة بالضيف الجديد : فالطفل يحب أن يوصف بأنه أكبر من غيره من الأطفال، ولا سيما الوافد الجديد، كما تنصح الأم بزيادة مظاهر الحب تجاه الطفل الأكبر.

3. حكاية القصص التي أبطالها إخوة متشاركون ومتحابون ومتعاونون : فبلا شك تُعَدُّ القصص من أفضل الوسائل لتوضح أهمية وجود أخ للإنسان في هذه الحياة، وكذا يمكن للأم أن تذكر له بعض أصدقائه الذين لديهم إخوة أصغر منهم، وكيف يلعب ويشارك ويساعد بعضهم بعضًا.

4. توضيح طريقة حمل وملاعبة الطفل الجديد : فتأخذ الأم الضيف القادم وتضعه بين يدي طفلها، وتسمح له بلمسه مع توضيح طريقة وحدود هذا اللمس والمداعبة.

5. عدم ترك الطفل وحده مع المولود الجديد : وضرورة أخذ الطفل الجديد بطريقة غير مباشرة عند الشعور عليه بالخطر من أخيه، ويكون أخذ الطفل الجديد برفق، مع عدم معاقبة أو تأنيب الطفل الكبير، وشغله ببعض الألعاب أو الأناشيد.

6. التقاط صورة للطفلين معًا : لأن هذا يقوي العلاقة والحب بينهما ويقلل من الغيرة، كما يمكن للآباء استعراض صور الطفل الأكبر عندما كان في عمر أخيه الرضيع.

7. قضاء وقت أطول مع الطفل الأكبر : فهنا يجب ألا يشغل الأم طفلها الجديد عن باقي الإخوة، فتوافق في الوقت قدر المستطاع بين أطفالها.

8. تجنب بعض التصرفات والسلوكيات التي تثير الغيرة بين الإخوة : يجب أن يكون الوالدان خير معين لأطفالهم على تجنب الغيرة عن طريق العدل والإنصاف بين الأبناء، وإن اضطروا للاهتمام بطفل على آخر يكون ذلك قدر الإمكان في الخفاء مع توضيح سبب الاهتمام -إذا أُظهر هذا الاهتمام- لباقية الإخوة كمرض الطفل المُهتَم به، أو غيره من الأسباب.

ونختم هذا المقال بحديث عظيم عن رسولنا الكريم وقدوتنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتيَ جوامع الكلم، وأرشدنا إلى طرق علاج الغيرة بين الإخوة، عندما دعا إلى المساواة بين الأبناء في كل شيء حتى في القُبلة، فقال : ((اتقوا الله واعدلوا في أولادكم)).

ولنتدبر هذه الآيات التي توضح آثار الغيرة بين الإخوة والتي تؤدي إلى حد التفكير في القتل : (﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)) (10).

‫5 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى