أصــداء منوعةقصص ، روايات

ما زلت أعيش في الدقيقة العاشرة..

 

نشوان ذنون عبد الله (أبو بدران)

 

ما زلت أعيش في الدقيقة العاشرة..

 

هذه قصة الدقيقة العاشرة .. وسأحكيها لكم مباشرة..

كان ذلك في سنة ١٩٨٥ .. ولم يبلغ بعد عمري العشرين .. عندما كنت طالباً في الكلية العسكرية .. محسوب على القوات البرية .. وأذكر أننا كنا في عقوبة .. فرحمونا بإستراحة وهذه أعجوبة .. لمدة عشر دقائق مقضية .. جاءتنا من الله هدية .. بعد أن بلغ بنا الإعياء .. حد الجنون والبكاء .. فتحاملت على نفسي (خِلسة) .. وأنا أنهج في تلك (الجلسة) .. فأخرجت من جيبي ساعتي المدلَّلة .. وأنا في تلك البهدلة .. لأعرف كم الوقت في تلك الظهيرة .. آه كم الدنيا تافهة وحقيرة .. حياتنا تمضي فيها بالغفلة .. تائهين فيها كأطرش في حفلة .. فقد كنتُ فيها عبارة عن آلة ليس لها حق .. التفكير والإحساس والشعور والنطق .. مبرمج تحت السيطرة .. وكأني من مرضى البيطرة .. فسرقت نظرة إلى وقت الساعة .. متغافلاً عن أهل الطاعة .. فكانت تشير الى الواحدة ظهراً .. وتسع دقائق حصراً .. فقلت مع نفسي .. سأجمع كل مشاعري وحسي .. ولتكن الدقيقة العاشرة لي .. وسأكسر بها قيود تكبيلي وحبسي .. بدأت الثواني تجري مسرعة .. كسفينة في بحر هائج بلا أشرعة .. وانا معها .. أتشبث بها .. يالها من عقارب بلا عاطفة .. لعلها تبطيء قليلاً ويا ليتها واقفة .. فكرت بأن والدي الحبيب الآن في العمل .. وأُمي الغالية تنظف المنزل .. وها قد وصلوا إخوتي من المدرسة .. وتهيئوا للغداء بعد أن غيروا الألبسة .. وفكرت بشوارع مدينتي المزدحمة .. والناس تسعى لرزقها مقتحمة .. تصفحت وجوه الأحباب بسرعة .. وكأني سُقيت من دواء المحبة جرعة .. فالكل أحياء .. وهم سعداء .. كانت هذه الدقيقة لقلبي شفاء .. ومع نفسي كنت أقول .. وفكري يصول ويجول .. توقفي أيتها الدقيقة أرجوكِ ولا تتركيني .. فالمحبة عبادة يأمر بها ديني .. لا أريد أن أعود إلى تقييد فكري .. إبقي وسأقدم لكِ شكري .. فأحبابي جميعهم اليوم بخير .. ومهما كان عذابي فلا ضير .. فرغم تعبي ومعاناتي .. لم أبح لهم بأهاتي .. رضيت بقدري .. إحساس بشري .. المهم هُم .. بأمان كلهُم .. فلم أجد نفسي إلا و بوق التدريب المزعج يوقظني .. من دقيقة على حقيقة تفزعني .. كنت أقبض عليها بعقلي .. ولم أسمع إلا صوت يقول (الكل تضرب تقلي) .. آه لقد ذهبت وتركتني .. ومن تلك السعادة حرمتني .. فلم أجد أمامي غير الزحف والبروك والهرولة .. والصراخ واللوم والبهدلة .. ويقولون لي الصبر قمة المرجلة .. فمضت ساعة وبعدها يوم وانطوى أسبوع فشهر وبعدها سنوات .. وأنا لا أنام إلآ غفوات .. هكذا العمر مضى ومضات .. وفي كل مرة .. أُعيد الكَرَة .. أعود لأتذكر تلك الدقيقة الغالية .. التي كانت لي وحدي خالية .. تعالي وارجعي ويلكِ .. لأحكي لكِ .. على مَن مِن أحبابي رحل .. ومن في عز الشباب مضى وارتحل .. ومن عمره علينا فات .. واسمه مسجل في صحائف الأموات .. كلما مضى الزمان .. وضاق بي المكان .. عُدتُ لأتكيء على كثيب تلك الرمال الساخنة .. حيث فكري متقد وقوتي واهنة .. وفوق رأسي خوذتي .. ويتصبب عرق جبهتي .. وتقطر طين جعبتي .. وأنا مازلت انظر في الساعة وأقول للدقيقة العاشرة .. أرجوكِ لا تكوني ماكرة .. هل نسيتِ أم مازلت فاكرة .. حين أستطعت أن أخطفكِ من عمر الزمان .. وقهر المكان .. ولأكسر بكِ قيد تكبيلي وسجني .. وأنطلق معكِ إلى أبعد مدى من حريتي .. لن تعودي معي فقد مضيتِ .. ولكني بفكري أراكِ أتيتِ .. سأبقى معك .. حيث الراحلون كلهم كانت قلوبهم معي وأحياء .. ورغم البعد ببعضنا سعداء.

رحم الله أبي الغالي وأخي الحبيب صفوان من كانوا يعطون لحياتي أملاً ومعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى