أصداء وآراء

ما وراء الخـطاب التـركـي الجديـد..

 

الكاتـب/ عـبـدالله السـنـاوي

 

 

 

ما وراء الخـطاب التـركـي الجديـد..

 

لم يكن اكتشافاً جديداً قدر ما تمثله مصر بحقائق الجغرافيا والتاريخ من أنها «ما زالت تمثل عقل العالم العربي وقلبه»، ولا أهمية ردم فجوات الثقة والتوترات في الإقليم ببناء شراكة متبادلة بين البلدين المتصادمين مصر وتركيا في قضايا شرق المتوسط وليبيا وفلسطين والعلاقات الثنائية.

بعبارات متشابهة بألفاظها ومعانيها ورسائلها تبارى المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين ووزير الدفاع خلوصي آكار وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو في الدعوة إلى فتح صفحة جديدة مع مصر و«عدد من دول الخليج».

كان ذلك تحولاً جوهرياً في لغة الخطاب السياسي يعاكس ما تبناه القادة الأتراك في السنوات التي أعقبت (30) يونيو (2013) وإطاحة جماعة «الإخوان المسلمين» من الحكم في مصر.

هناك عاملان رئيسيان من وراء الغزل التركي بالتودد إلى مصر ودول الخليج :

الأول : داخلي باتساع نطاق حالة عدم الرضا على السياسات الإقليمية التي يتبعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى داخل حزبه نفسه، فليست هناك مصلحة تركية في الدخول بمنازعات استراتيجية مفتوحة مع مصر ولا خسارة المصالح الاقتصادية مع الخليج.

الثاني : دولي باختلاف المعادلات في عالم يتغير تحت ضربات الجائحة والانتقال من ولاية إلى أخرى في البيت الأبيض الأمريكي.

لا يوجد ما يطمئن تركيا على ما قد تتبعه إدارة جو بايدن في ملفات الشرق الأوسط ولديها خشية مسبقة من أن تجري تسويات على حسابها في حلف «الناتو» عند إعادة ترتيب أوضاعه تعبيراً عن التحالف الغربي، الذي تراجع بفداحة أثناء ولاية دونالد ترامب، أو في الصراع على غاز شرق المتوسط لصالح اليونان وقبرص وفرنسا بالتداخل.

باستثناء أزمة الاتفاق النووي الإيراني يصعب الحديث عن أية أولوية أخرى ملحة في الإقليم على الأجندة الأمريكية الجديدة، وإذا ما استدعت الحوادث أدواراً أمريكية في أية منازعات تفرض نفسها، لا يمكن لأنقرة التعويل على أي دعم من البيت الأبيض.

هذه أجواء قلق استدعت مقاربات جديدة في الخطاب السياسي ما هو خاف في الكواليس أكبر مما هو معلن أمام الميكروفونات والملفات المعلقة تطرح نفسها على الاختبار العملي.

هناك فارق بين نبرة الخطاب وجوهره :

الأول : دعوة إلى صفحة جديدة دون أن تتجاوز العناوين العامة.

والثاني : دخول في الموضوع بمراجعة السياسات وحدودها وما قد تنطوي عليه من فرص مشتركة ومناطق ملغمة.

الملف الأكثر إلحاحاً، غاز شرق المتوسط ومناطق تعيين الحدود البحرية، وهو يكتسب أهميته القصوى من حجم حقول الغاز المتنازع عليها لاقتصادين منهكين.

جرى تبادل رسائل عديدة معلنة وغير معلنة التزمت مصر خلالها بعدم الاقتراب من الجرف القاري التركي عند تعيين حدودها البحرية مع اليونان وقبرص؛ كانت تلك رسالة إيجابية التقطتها أنقرة بالإشادة المعلنة وسط خضم الصراعات الجارية، التي كادت أن تفلت إلى مواجهات عسكرية مباشرة فوق الصحراء الليبية.

بذات الوقت ألحت العاصمة التركية مراراً وتكراراً في خطابها المعلن ورسائلها المتضمنة على أن اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع الحكومة الليبية السابقة إحتفظت لمصر بكامل حقوقها الغازية، وكانت تلك رسالة إيجابية لم تغفلها القاهرة رغم حدة المواجهات الاستراتيجية على غاز شرق المتوسط.

إعتبارات الأمن فرضت أولويتها في رفض اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني العسكري، التي وقعها الرئيس التركي مع رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج بلا سند شرعي يخولها عقد مثل هاتين الاتفاقيتين؛ بلغة خرائط الغاز لم يحدث إضرار بالمصالح المصرية فيما توصل إليه أردوغان والسراج، وبلغة الأمن بدت اتفاقية التعاون الأمني ضرباً مباشراً على العمود الفقري للأمن القومي تجعل حدود مصر الغربية تحت الانكشاف الكامل لضربات جماعات العنف والإرهاب، كما بدت أقرب إلى مشروع تدخل عسكري تركي مباشر بالتدريب والتسليح وإرسال المقاتلين من سوريا لتغيير موازين القوى على الأرض في ليبيا.

باليقين فإن تحسين العلاقة مع تركيا خيار صحيح، بالنظر إلى حجمها ودورها في الإقليم كأحد مكوناته الرئيسية.

وباليقين فإن القفز فوق الملفات المعلقة لا يساعد على أية تجاوز لأزمات الإقليم، التي تتداخل فيها تركيا، وأهم هذه الملفات نظرة تركيا لطبيعة دولتها، هل هي دولة أيديولوجية تتبنى «الإسلام السياسي» وتسعى لتأسيس دولة خلافة، أم أنها دولة طبيعية حديثة تعمل وفق القواعد الدولية المتعارف عليها بلا تحريض على عنف، أو تغول على حقوق دول الجوار كسوريا والعراق ؟.

الاختبار الأساسي، الذي يطرح نفسه الآن لما يمكن أن يصل إليه الخطاب التركي الجديد، ما قد يحدث في ليبيا خلال الفترة الانتقالية التي بدأت للتو، ومدى قدرة الحكومة الجديدة على الوفاء بمهامها المتوافق عليها دولياً في نزع سلاح الميليشيات وتوحيد مؤسسات الدولة.

الخطاب اختلف وبقي أن تتعدل السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى