أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

ما يجب أن تكون عليه المنطقة العربية في ظل تراجع هيمنة نظام القطب الواحد وتشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب..

َ

وافـي الـجـرادي

صحفي ومحلّل استراتيجي يمني

 

ما يجب أن تكون عليه المنطقة العربية في ظل تراجع هيمنة نظام القطب الواحد وتشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب..

 

في سياق حالة التراجع والهيمنة الأمريكية على العالم، وبَدْء ملامح مرحلة جديدة لعالم ثنائي القطبية وربما متعدد الأقطاب، وانتهاء عصر إمبراطورية نظام القطب الواحد؛ من المهم أن نتحدث عما يجب أن تكون عليه منطقتنا العربية، وما يتحتّم عليها فعله تجاه هذا التغير في النظام العالمي.

لقد ظلّت المنطقة العربية ومنذ انهيار الاتحاد السوڤيتي؛ رهنَ الهيمنة والنفوذ الأمريكي، وشاب هذا النفوذ الكثير من المنعطفاتِ والمخاطر، وإن كان بريقه وصداه هو الأمن والاستقرار والتنمية، ويتغنى بالديمقراطية والحقوق والحريات، وليس هذا في عالمنا فحسب بل في كل بقاع العالم؛
اليوم يعيش هذا النفوذ لحظات السقوط، ويتأرجح يوماً بعد آخر كمُسّن هَرِم ما بين الحياة والموت.

من الطبيعي جداً أن ينتهي نظام القطب الواحد، وأن يُترك مكانه للآخرين، لمن قنصوا ركام أخطائه، ونظرته الإستعلائية للدول والشعوب من بوابة رفعه لشعار “أمريكا أولاً” وإطلاقهِ أوصاف ” المارقة – العدو – الإرهابية – غير الديمقراطية لكل من يأبى الخضوع والطاعة والإنقياد خلفَهُ.

إن تراجع هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ودورها على العالم لم يكن بداعي الحرب الروسية الأوكرانية فحسب، بل ناجم عن عوامل عدة منها الأزمة المالية العالمية في 2008م، وهزيمة امريكا في أفغانستان وإجبارها من قبل حركة طالبان على الخروج؛ رغم خسارتها لقرابة (1) ترليون دولار، إلى جانب الكلفة البشرية، وجائحة كورونا، وما نجم عنها من ترنّح للاقتصاد الأمريكي، وانتهاج سياسة مارقة وعدوانية تجاه عدة دول في العالم؛ ما جعل من هذه الدول تقوى وتكافح وتواجه؛ لأنه بات لها من الحلفاء ما يقوّضون السياسات والخطط الأمريكية، إلى جانب صعود الصين اقتصادياً وعسكرياً، وتمّددها حول العالم على حساب الإدارة الأمريكية التي ترى أنه بالقوة وبسيف العقوبات يمكنها أن تحكُمَ العالم وإلى الأبد، وهو ما لم يحدث، لأنه باستطاعة الدول والشعوب قلب الموازين رأساً على عقب، ولنا من التجربة الافغانية خير شاهد.

لقد تمخّضَ عن تراجع نظام القطب الواحد، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط (المنطقة العربية) لجوء الكثير من دول المنطقة إلى انتهاج توجهات وتحولات جديدة لم يكن لها أن تحدث لولا تراجع الهيمنة والنفوذ الأمريكي عالمياً، ولقد أدركت هذه الدول حساسية المرحلة، وأهمية أن تمد يدها لكل من حولها لغاية إدراكها المتأخر للأسف .. أدركت أن الوقت قد حان للملمة الشتات، وألّا حاجة للبقاء في خندق الحرب بالوكالة، واستمرارية تبديد وهدر الأموال خدمةً لنظام زائل لا محالة، نظام ظاهره الرحمة وباطنة العذاب ويكنُّ ويتربص بالجميع، ويرفع شعاره أولاً، ولا يفي بالتزاماته وتعهداته مطلقاً .. في هذا الطور رأينا تغيّراً كبيراً في سياسة المملكة العربية السعودية تجاه جمهورية إيران – القوتين المتصارعتين ومنذ عقود على الهيمنة في المنطقة – فمنذ بداية العام يخوض الطرفان حوارات في العاصمة العراقية بغداد في محاولة لإنهاء زمن القطيعة والحرب غير المباشرة، وأبدى مسؤولو الطرفين رغبات محقة بضرورة التوصل إلى اتفاق، وعودة للعلاقات الدبلوماسية، والتفاهم لحلحلة صراعات وأزمات المنطقة، كما تخوض مصر والأردن حوارات أيضاً مع إيران وعبر العراق لتقريب وجهات نظرهم، ومن ثم العودة لتطبيع العلاقات،
كما أن العلاقات السعودية التركية شهدت تحوّلاً مهماً بعد أن سادتها الخلافات، وتبادل الجانبان زيارات فقد زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جده في الـ 28 من ابريل الماضي، والتقى خلال الزيارة الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان وتباحث الجانبان حول قضايا ذات صلة واهتمام مشترك، تعززت العلاقة بينهما بزيارة ولي العهد محمد بن سلمان لتركيا في الـ 22 من يونيو الماضي ولقائه بالرئيس التركي، والاتفاق على تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي، ما يشير لتعزيز العلاقات بين الجانبين وتطويرها.

إلى جانب التقارب المصري القطري، ولقاء أمير قطر الأمير تميم بن حمد بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهره في الـ 24 من يونيو الماضي ليُكرّس هذا اللقاء تقوية العلاقات، وإنهاء القطيعة، واحتواء نقاط الخلاف بينهما، إلى جانب تغيّر مواقف الكثير من الدول العربية من النظام السوري، وإبداء رغبتها بأن يبقى في السلطة، وأن تعود العلاقات بينهما كما كانت سابقاً.

كل هذه التحوّلات الجديدة في منطقتنا مهمة جداً إن تم تعزيزها بشراكات اقتصادية ومشاريع تنموية متبادلة، وإن تم فيها مراعاه كل المخاوف والهواجس لدى كل الأطراف، ويمكن اعتبار هذا التحوّل تاريخياً وراسخاً إن أفضت إلى وقف الحرب في اليمن وسوريا وساعدت على تمكين العراق وشعبه من بناء دولة حقيقة بعيداً عن التدخلات الخارجية؛ المهم في هذه التحوّلات أنها تأتي والقوى العالمية الفاعلة منشغلة ومتوترة مع بعض؛ ما يجعل من دول المنطقة تعزّز من علاقاتها، وتحل مشاكلها بناءً على قاعدة أن النظام العالمي بقيادة أمريكا لم يأت للمنطقة سوى بالأسوأ، وترك خلفه النزاعات والصراعات، وأن أي نظام يحل محلّهُ وإن كان بقيادة الصين فهو غير ديمقراطي وذا نزعة استغلالية يجر خلف مصالحه كما سلفَه.

إن المنطقة العربية من أهم المناطق الحيوية والاستراتيجية في العالم، وهي بمنزلة شريان حياة لكل الدول والشعوب قاطبة وبالتالي فهي ومنذ عقود زمنية طويلة محل أطماع واهتمام قوى استعمارية، وعلى مدى العقود الماضية وحتى اللحظة تنظر القوى العالمية لها بأهمية بالغه كمصدر أساسي للطاقة (البترول والغاز)، ولأجل ذلك جعلوا منها واحدة من بؤر الصراع في العالم من أجل الهيمنة والسيطرة عليها، وبما يضمن لهذه القوى استدامة اقتصاداتها وانتعاش مواردها وشعوبها، ولأجل ذلك يبنون القواعد العسكرية في عرض البحر، وترسو أسطولاتهم وبوارجهم على امتداد سواحل المنطقة ما يجعل من احتمالية تعرضها للقصف وبالاسلحة النووية أمر محتمل إن حدث صراع نووي بين روسيا والولايات المتحدة، أو بين الصين والولايات المتحدة
لهذا لا ينبغي علينا كعرب أن نصفق لانهيار نظام القطب الواحد بقياده أمريكا ليحل محله النظام البديل وبقيادة الصين وروسيا، بل يجب السير وفق خطه مفادها وحدة كل الدول وتماسكها وبتعاون مع تركيا وإيران، وبما يسهم في تشكيل تكتل اقتصادي وعسكري وسياسي يحمي نفسه بنفسه، وقادر على مواجهه اي تدخلات خارجية وبشكل جماعي، ومن الطبيعي جداً أن تكون علاقات هذه البلدان مع القطب الآخر أو الأقطاب الأخرى وفق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

صحيح أن كل ما يجري من تفاهمات بين الدول العربية والى جانبها تركيا وإيران ليأتي ترتيباً للأوضاع في ضوء تراجع النفوذ الأمريكي وتماشياً مع ديناميكيات السياسة والتحالفات الدولية، وحتى نكون أكثر تفسيراً للواقع السائد يجب الإشارة إلى أهمية أن تتلاشى كل أخطاء وهواجس الماضي لقادة هذه الدول والتى في طليعتها تركيا وإيران والسعودية، وألا تتصرف كل دوله بتصرف يناقض ويسيء للآخر، أو يلحق الأذى والضرر به؛ ففي حال توحدت الجهود كاملةً فالمنطقة ستتحوّل إلى تكتل قوي اقتصادياً وعسكرياً وذي ثقل وتأثير في الساحة والسياسة الدولية، وستتحقق المزايا والمنافع الاقتصادية والاجتماعية لكل الشعوب وستنعم بالرخاء والأمن، ويكفل لها قيادة دفة أمنها واستقرارها بعيداً عن الاعتماد على قوى دولية، وبتماسكها ورسوخها سيتلاشى أي وجود لقوى دولية على أراضيها ومناطق الثروات والموارد فيها، كما يجب ترسيخ منطق عدم القبول بتفرد أي نظام عالمي بقيادة الصين أو روسيا أو الاثنين معاً بأمن المنطقة، أو أن تجوب قطعه البحرية وقواعده العسكرية؛ بحجج تأمين مصادر الطاقة، أو بعناوين مكافحة الارهاب في ضل تجييش العالم وتخزينه بشتى أنواع الأسلحة النووية والفتّاكة والمقلقة والخطرة على الحياة على كوكب الأرض؛ فالعالم اليوم يعيش حالة من الفوضى النووية، وقابل للانفجار في أي وقت؛ لهذا فإن موارد كل دول المنطقة كافية لبناء الأرض والإنسان، وفي الوقت نفسه كافية لصناعة وتعزيز ترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة القادرة على إحداث التوازن والمواجهة في حال دعت الضرورة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى