أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون .. قاعدة افتراض العلم به..

الدكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

محام ومسـتـشار قانـونـي 

 

مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون .. قاعدة افتراض العلم به..

 

أن مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون عند ارتكاب الجرائم هو من الثوابت القانونية والعملية التي ترسخت في القوانين الجنائية في أغلب دول العالم من أجل المحافظة على أمن واستقرار مجتمعاتها، ويقوم هذا المبدأ على قرينة قاطعة تفترض علم الكافة بالقواعد القانونية، وهو يعتبر قاعدة موضوعية لا يجوز مخالفتها، إذ تقوم على اعتبارات العدالة والمساواة بين الأفراد أمام القانون، ولكيلا يفلت مرتكبي الجرائم من العقاب بذريعة جهلهم بالقانون، ولتلك الاعتبارات وحتى لا تسود الفوضى في المجتمع يقتضي أن لا يفتح الباب أمام الكل بالتحايل والتذرع بالجهل بالقانون، وإلا سادت الفوضى للتهرب من تطبيق القاعدة القانونية المجرمة للفعل المرتكب. 

فأن مود تطبيق هذه القاعدة على أن التشريع متى أصبح نافذا فإنه يسري على جميع الأفراد المخاطبين بأحكامه، ولا يعفى أي منهم من الخضوع له، سواء علموا به أم لم يعلموا به علماً يقينياً، لذلك حددت الدساتير في اغلب الدول مراحل اصدار القاعدة القانونية حتى تصل إلى مرحلة الزاميتها بافتراض العلم بها من الكافة، حيث تبدأ من مرحلة اقتراحها سواء من البرلمان أو الحكومة وتنتهي بمرحلة نشرها في الجريدة الرسمية لتكون ملزمة بافتراض العلم بها من الكافة. 

ومبدأ الاعتذار بالجهل بالقانون قد ترسخ في القانون العماني بموجب المادة (٥) من القانون الجزاء العماني الذي نص على أنه “لا يعد الجهل بالقانون عذرا”، حيث أن هذا المبدأ مبني على افتراض يقينية علم الكافة بالقاعدة القانونية من خلال توفر الوسائل والسبل التي تمكنهم من المعرفة بها وما يطرأ عليها من تعديلات، ومن الوسائل الرسمية في نشر القوانين والأنظمة بالسلطنة هي الجريدة الرسمية، لتكون الوسيلة المعتمدة التي تمكن الجميع من الاطلاع على ما يصدر من قوانين ولوائح وقرارات وما يطرأ عليها من تعديل.  

وقد بين النظام الأساسي للدولة مراحل إصدار القوانين، حيث أناط لمجلس الوزراء وفق المادة (51) اقتراح مشاريع القوانين والمراسيم السلطانية، وأيضاً حدد الاختصاص لمجلس عمان وفق المادة (72) بإقرار وتعديل واقتراح مشروعات القوانين، وبعدها تأتي مرحلة إصدارها بموجب المراسيم لها قوة القانون تصدر من السلطان وفق المادة (73)، ويتم نشرها في الجريدة الرسمية بموجب المادة (٩١) خلال أسبوعين من تاريخ إصدارها، ويعمل بها من تاريخ نشرها، ما لم ينص فيها على تاريخ آخر.

فإن للجريدة الرسمية (اعتبارها وسيلة نشر القوانين واللوائح والقرارات) قانونا خاصا صادرا بموجب المرسوم السلطاني رقم (4/ 1973م) ينظم آلية إعدادها وإصدارها والذي ألغي بموجب المرسوم السلطاني رقم (٨٤/ ٢٠١١) ليحل محله قانون جديد، وإذ نصت المادة (٢) منه على أنه “يكون للسلطنة جريدة تسمى “الجريدة الرسمية” تصدرها الوزارة (وزارة العدل والشؤون القانونية) في أول يوم عمل من كل أسبوع طالما وجدت مادة صالحة للنشر فيها، وكان النشر ممكنا. وللوزارة إصدار ملاحق مستقلة للجريدة الرسمية في ذات تاريخ صدورها أو في تاريخ لاحق كلما دعت الحاجة إلى ذلك بحسب تقدير الوزير أو من يفوضه.”، وقد حددت المادة (3) ما يمكن نشره في الجريدة بما فيها القوانين والمراسيم السلطانية واللوائح والقرارات…الخ، ونصت المادة (٥) على أنه “يعمل بالقوانين والمراسيم السلطانية ذات الطبيعة التشريعية واللوائح من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية أو ملاحقها ما لم ينص فيها على تاريخ آخر، ويعد النشر قرينة على علم الكافة بها ولا يقبل دليل على خلاف ذلك”.

فمن الواضح أن القانون العماني أوجد قرينة لا تقبل العكس وهي بافتراض علم الكافة بالقوانين والمراسيم السلطانية ذات الطبيعة التشريعية واللوائح أي كان نوعها متى تم نشرها في الجريدة الرسمية، ويكون افتراض العلم بها قائماً من تاريخ نشرها، وبموجبه لا يقتصر تطبيق مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون على الاحكام الجزائية فحسب بل يمتد إلى كافة القوانين سواء كانت مدنية أو تجارية أو أحوال شخصية متى تم نشرها في الجريدة الرسمية وإذ يفترض العلم بها من تاريخ نشرها، وهذا من غير تحديد تاريخ العمل بها بأن يتم تحديده بمرسوم إصدارها سواء كان من تاريخ نشرها أو تحديد تاريخ آخر لذلك. 

 فأن الرأي الغالب في الفقه بأن تطبيق قاعدة عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون ليست على اطلاقها، بل لها استثناءات، وذلك بالقول إن تطبيق هذه القاعدة يقوم على افتراض العلم به بمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية، وأيضا يفترض عدم تحقق العلم به في حالة القوة القاهرة التي تحول دون اتصال الدولة بأقاليمها سواء كانت بسبب حدوث كارثة طبيعية أو حرب، والتي بسببها تعيق وصول الجريدة الرسمية الى الأقاليم المنكوبة نتيجة القوة القاهرة أو الحرب.  

ومن الأهمية تسليط الضوء التثقيفي حول دور الجريدة الرسمية في نشر القوانين واللوائح والقرارات وأهمية الاطلاع عليها من الكافة (مواطنين ومقيمين) والاستناد إليها في كل ما يصدر من قوانين ولوائح وقرارات، ومن الملفت أن وزارة العدل والشؤون القانونية قد أدرجت روابط للجريدة الرسمية عبر موقعها لتمكين الجميع من الاطلاع عليها بكل سهولة ويسر، وعليه يكون على كل مواطن ومقيم متابعة ما ينشر بها حماية لنفسه من مخالفة القوانين واللوائح والقرارات الصادرة. 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى