أصداء وآراء

متى ينسحب الأمريكان من أوطانـنا نحـن أيضـاً ؟؟..

الكاتـب/ محمـد سيـف الدولة

خبيـر في الشؤون السياسية

 

“ذاكـرة الأمـة”

 

متى ينسحب الأمريكان من أوطانـنا نحـن أيضـاً ؟؟..

 

بعد احتلال دام ما يقرب من عشرين عاما (2001 ـ 2021)، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه قرر سحب القوات الامريكية من افغانستان، على ان تبدأ عملية الانسحاب بدءا من اول مايو القادم وتكتمل قبل 11 سبتمبر 2021.

ولقد برر بايدن الانسحاب بحزمة من الأسباب، لم يأتِ فيها على ذكر الحقيقة الواضحة للجميع، وهي أنهم ينسحبون بسبب هزيمتهم أمام المقاومة الأفغانية المسلحة وعملياتها الموجعة التي أسقطت ما يقرب من 2500 قتيل أمريكي وفقا لتصريحات بايدن نفسه.

لنكون بذلك أمام ثاني أكبر هزيمة عسكرية تلحق بالولايات المتحدة خلال نصف القرن المنصرف، الاولى بطبيعة الحال كانت على أيدي المقاومة الفيتنامية التي أجبرتها على الانسحاب في 15 اغسطس 1973.

في الحالتين كانت المقاومة الوطنية المسلحة، أيا كانت مرجعيتها الأيديولوجية، هي التي أجبرت قوات الاحتلال على الانسحاب، قادها الشيوعيون في فيتنام وقادتها طالبان في أفغانستان.

لم أتعرض هنا للعراق بطبيعة الحال، فقواعدهم وقواتهم وهيمنتهم لا تزال قائمة ومتغلغلة هناك، رغم كل التصريحات الأمريكية المتكررة منذ أوباما حتى اليوم بانسحاب قواتها من هناك.

أما إيران، فلقد نجحت في تحرير بلادها من التبعية والنفوذ الأمريكي منذ الثورة الاسلامية، لتنضم الى قائمة الدول المعادية للولايات المتحدة ككوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا.

ورغم الحصار والعقوبات القاسية التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها ومجتمعها الدولي على مثل هذه الدول التي يصفونها “بالمارقة”، إلا أنها لا تزال حية ترزق، لم تفنَ أو تتبدد. ويجب أن نتذكر على الدوام تجربة الصين، وأين أصبحت اليوم بعد عقود وقرون طويلة من الاحتلال والحصار والعزل.

إن الهدف من تناول الإنسحاب الأمريكي من افغانستان وامثاله، هو التأكيد على ان الولايات المتحدة الامريكية ليست ربنا، وليست قوة جبارة لا يمكن تحديها او هزيمتها، بل على العكس تماما؛ يمكن مقاومتها والانتصار عليها وكسر ارادتها واجبارها على التراجع والانسحاب.

إنها حقيقة واضحة وبديهية تشمل امريكا وكل انواع الاحتلال الأجنبي الذي شاهدناه وعشنا تحت وطأته على امتداد القرنين الماضيين، إلى أن نجحنا في اعقاب الحرب العالمية الثانية في التحرر منه وإجباره على الإنسحاب من أوطاننا ونلنا استقلالنا الذى طال انتظاره.

صحيح أنه استقلال لم يستمر ولم يكتمل، ولكن كان ذلك بسبب أخطائنا وخطايانا وخيانات البعض منا، ولم يكن بسبب جبروت الاحتلال وقوته التي لا تقهر.

كما أن إجبار العدو والمحتل على الإنسحاب ليس جديدا علينا ولا يقتصر على معارك التحرّر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، فلقد نجحنا في إجبار العدو الصهيوني على الانسحاب من أراضينا المحتلة في لبنان 2000 و 2006 وفي غزة 2005، وبالطبع في مصر بعد حرب 1973 مع تحفظنا الذي لا مجال له هنا على اتفاقيات كامب ديفيد.

ما أحوجنا الى التأكيد على هذه الحقائق في مواجهة :

  • ما تعيشه الامة العربية اليوم من احتلال وتبعية وأحلاف وهيمنة عسكرية واستراتيجية واقتصادية بلا حدود، وانتشار القواعد والقوات الامريكية في كل مكان، ناهيك عن عربدة القوات الاجنبية من كل صنف ولون، مع القضاء على أي قرار عربي مستقل وتدويل كل قضايانا وتوزيع دولنا كذيول وملحقات في احلاف ومحاور وصراعات دولية واقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
  • وفى مواجهة حكام وحكومات وأنظمة حكم تستمد وجودها وشرعيتها من الحماية الامريكية، التي قال عنها ترامب، إنه لولاها لسقطت هذه الدول خلال اسبوع واحد.
  • وفي مواجهة إعلام عربي رسمي لا يتوانى عن تضليل الشعوب ومحاولة تزييف وعيها بالترويج للاحتلال وبث قيم اليأس والخضوع والاستسلام، تحت نظريات كاذبة وباطلة تنطلق من أنه لا قبل لنا بتحدي الأمريكان وأن الطريق الوحيد للتقدم والنجاة هو التحالف معهم والاحتماء بهم والسير في ركابهم، وأنه لا قبل لنا بمواجهة (إسرائيل) بل علينا ان نعترف بها ونطبع ونتحالف معها.
  • وفى مواجهة عُقَد وهمية استقرت وترسخت في عقل ووجدان صناع القرار الرسمي العربي لعقود طويلة، مثل عقدة 1967 وعقدة ما حدث للعراق وصدام حسين 1991 ـ 2003 أو للقذافي عام 2011 بدعم من حلف الناتو، وعقدة الرعب من عواقب التعرض للغضب والعقوبات التي تعيشه الدول التي خرجت عن طوع الأمريكان.

في مواجهة كل ذلك وأكثر يتوجب علينا ان نتبنى خطاب واجندات واستراتيجيات التحرر والاستقلال والمواجهة ضد قوى الاحتلال الامريكية والصهيونية وأي قوات أجنبية أخرى، فلسنا اقل من شعوب العالم التي فعلتها من قبلنا ولا يجب ان نكون اقل من آبائنا واجدادنا الذين تصدوا وقادوا معارك التحرير فى ازمانهم.

ولا يصح ولا يليق التهرب من المواجهة بذريعة أن أنظمة الوطن العربي وحكامه يحكمون شعوبهم بالحديد والنار، وأنه لا حول ولا قوة للشعوب أمام استبدادها وقوة بطشها.

فكذلك كان الحال في كل البلاد التي خضعت للاحتلال، ففي افغانستان هناك مقاومة وطنية تقاتل وتضغط من أجل التحرر وانسحاب القوات الأجنبية، وفي المقابل هناك حكومة أفغانية تابعة وموالية للأمريكان، تستمد وجودها وبقاءها في الحكم والسلطة منهم، وترفض انسحاب قواتهم وتصر على بقائهم.

الشيء نفسه كان في حكومة فيتنام الجنوبية التابعة للأمريكان قبل سقوطها وتوحد فيتنام بعد الانسحاب الأمريكي.

إنه ذات المشهد المتكرر في بلادنا منذ قديم الزمان، وما زلنا نتذكر مشهد الخديوي توفيق وهو يستدعى الإنجليز لوأد الثورة العُرابية وحمايته منها، وما ترتب علي ذلك من إخضاع مصر للاحتلال البريطاني لما يزيد عن 70 عاما، حكمتنا فيه أسرة محمد علي تحت الحماية البريطانية.

فالاحتلال في أي مكان يحرص دائما على صناعة سلطة خاضعة وموالية له من أهل البلاد؛ حتى في فرنسا حين احتلها الألمان عام 1940 فإنهم صنعوا حكومة فرنسية موالية لهم هي حكومة فيشى، التي تم محاكمة قادتها بعد التحرير.

إن وجود محميات أمريكية تستبد بشعوبها وتحكمهم بالحديد والنار لا يمكن ان يكون سببا للعزوف عن خوض معارك التحرر والاستقلال، بل هو الدافع الرئيسي للإقدام عليها والانخراط فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى