أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

“محمد الماغوط” .. الأديب الناطق باسم الشعب..

عبد العزيز بدر القطان

كاتب ومفكر – الكويت

 

“محمد الماغوط” .. الأديب الناطق باسم الشعب..

 

أن تعيش في وطن، يعني أن تستظل بظله، تنعم بخيراته، تُمنح القوة من أرضه، تلامس السماء من الأرض، تحظى بكل النعم التي توفرها مساحة هذا الوطن، بمساواة وعدالة ومحبة وأمان، هذا الوطن يمنحك الشعور بالانتماء إلى هذه الأرض التي خلقك الله فيها، لتكون جزءاً منها، شريكاً بها، لك فيها مثل ما لغيرك، تنظر إلى السلطة على أنها وسيلة للمساعدة، لا شرطيّ للترهيب، فإن لم يحدث ذلك، هذا الوطن حتماً يحتاج إلى تعريفات أخرى، يحتاج إلى ثائر يزلزل القانون الذي جاء لتحقيق العدالة الاجتماعية لا لتحقيق الظلم والانكسار.

ولطالما تفجّر الإبداع من رحم المعاناة، وأحياناً من رحم العجز على تغيير الواقع، هذا الإبداع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجرأة، وبدونها كل من يحاول سيفشل، سيسقط، ستُنتزع كينونته منه، كتلك الأم التي يُنتزع منها وليدها رغماً عنها، لكن عندما تقرر المواجهة، ستقرّ بأن للإصلاح تبعات، وللتصحيح ثمن، قد يكون الثمن حياتك، وقد يكون حريتك، فهل أنت مستعد للمحاولة؟

عندما أقول وأكرر دائماً، إن من يريد فهم الواقع لا بد له من قراءة التاريخ، هذا التاريخ الذي حفظ لنا بين صفحاته الكثير من الأسرار، بعضها مؤلم، والآخر مصدر فخر لنا، وبعضها علم، وبعضها تعليمنا كيفية المواجهة استناداً إلى تجارب الأقدمين، لكن ليس لأن نستنسخ تجاربهم بقدر ما نستلهم منهم بعد الشعور بظروفهم السابقة، التي تختلف عن ظروفنا ربما من حيث الأدوات، لكن من حيث الواقع ربما هي متشابهة إلى حد بعيد، نتوارثها دون أن ندري، نسير معها وكأن هناك من عمل على برمجتنا للخنوع وتقبل الأمر الواقع، خاصة من الناحية السياسية، هذا التاريخ هو ماضينا الذي نعتز به، لكن هناك من يعمل على سلبنا حاضرنا ومستقبلنا إن جاز التعبير، من خلال تطبيق سياسة “الصمت” لأن رفع الصوت ثمنه غالياً، فثورة جياع الأمس لا تشبه ثورة جياع اليوم، بالأمس كان العمل وطنياً أكثر، كانت المبادئ أسمى، كانت الغايات تسعى لخير الكل، على عكس غايات اليوم التي تتمحور وتتركز حول السلطة والحاكم والملك والأمير، حول بناء تحالفات قوة على حساب الشعوب وكراماتها، لكن في كل زمان هناك ثائر، هناك بطل، هناك قلم وهناك مدافع، يلهم غيره بضرورة الكفاح، أن هذه الحياة موقف، إن لم نتخذه ونصمد، سنعيش كما الآلات مبرمجين لا حول لنا ولا قوة.

هذا السرد ليس لشرح الواقع المعروف، بل هو مقدمات لا بد من وضعها كدعامة أساسية لنبني عليها واقعنا، ربطاً مع الماضي، هذا الأخير ليس بالماضي السحيق، لا بل هو عقود قريبة من أيامنا هذه، عقود أخرجت لنا عظماء، حُفرت أسمائهم في الذاكرة، ومن الممكن القول، لقد خلّدها التاريخ، ربما الأجيال الجديدة لا تعرفها، لكن حتماً شاهدت أعمالهم التي تحولت إلى ملاحم منقوشة في الذاكرة، ليس ذاكرة أبناء جلدتهم فقط، بل عبرت الحدود ووصلت إلى حدود واسعة على المستوى العربي بدون أدنى شك، من المحيط إلى الخليج، شرحت غربة الوطن، وحدوده المصطنعة، وشربت كأس أوطانها، وكتبت اسم أوطانها على “الشمس التي لا تغيب”.

ومن أبرع من عبّر عن هذا الواقع، الأديب السوري الكبير، محمد الماغوط (1934 – 2006)، الأديب الساخر بطريقة عجز كثر عن الإتيان بمثلها، فكان صوت الشعب، وصوت الفقراء، وصوت كل من لا صوت له، وإنه لشرف كبير عن نستحضر الذاكرة وننعشها بروائع هذا الأديب، الذي لا نملّ من حضور مسرحياته، وقراءة كتبه ورواياته، هذا الأدب الذي لم يسقط بالتقادم، بل كل ما أصبح عتيقاً كلما زادت قيمته وارتفعت، هذا الكاتب الذي يعد من أبرز الكتاب والشعراء السوريين لجهة تعدد أعماله المسرحية والسينمائية، وحصد لقب أبو الشعر العربي الحر، حيث حرر القصائد العربية من الشكل التقليدي وأحدث ثورة في بنية القصيدة، كما يعتبر الشاعر السوري القومي العربي محمد الماغوط رائد قصيدة النثر العربية والتي كانت محط انتقادات كثيرة وواسعة وخاصة من لدن شعراء القصيدة التقليدية ونظرائهم في الشعر الحر الذين قللوا من قيمتها الإبداعية وحكموا عليها بالنقصان والتيهان والضعف والموت وقللوا أيضاً من شأن شعرائها وكتّابها وجعلوهم من الذين يجرون وراء وهم اسمه الشعر الحديث، هذا الأمر لم يكن مهماً بالنسبة للماغوط إذ لم يتأثر به، ولا بكل تلك الانتقادات التي كانت تحكم على قصيدة النثر وكتابها دون دراسة وتحليل عميقين قادرين على وضع سكة النقد في طريقه السليم، ورغم أن شعره كان فيه الكثير من سمات الشعر الحر، بل كان قادراً على كتابته والتفوق فيه ولكنه آثر أن يبدع على طريقته وأسلوبه الخاص ووفق رؤية أدبية وشعرية يتقنها ويقتنع بها، خاصة وأنه لم يلجأ إلى أي نظرية شعرية أو نقدية ترسم له منهجه الشعري الذي ارتأى التفوق فيه.

ولد محمد الماغوط في بلدة السلمية وهي مدينة تقع على نهر العاصي بمحافظة حماة السورية، ولأن والده كان مزارعاً، أمضى الماغوط طفولته في ظروف بائسة ومليئة بالفقر، وبعد حصوله على تعليمه الابتدائي في السلمية، انتقل إلى العاصمة دمشق في سن الرابعة عشرة، انضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وتم اعتقاله لكونه عضواً خلال حملة القمع على الحزب من قبل المخابرات السورية في عام 1955، وكانت أولى المحطات البارزة في حياته، ثم عاد للانضمام للحزب في أوائل العشرينيات من حياته، وهذا الطبيعي لشخص لطالما رفض الاستبداد من وجهة نظره، وتأليه الحاكم وفرض الأمر الواقع على الشعوب الضعيفة ودفعها إلى الحروب للموت والبكاء وإنتاج الحزن داخل البلاد وبين الناس وازدياد عدد الثكالى والأرامل والأيتام والفقراء والضعفاء والذين لا قيمة لهم في المجتمع، بل يتمنى أن يعيش الكل في سلام وطمأنينة وأن يكون لكل واحد دوره الخاص، فالقادة للحروب، والعشاق للحب، والعلماء لأبحاثهم ودراساتهم، وبالتالي فالاستبداد هو أس المشاكل في أي مجتمع ومحاربته ورفضه طريق نحو الخلاص والأمان والحرية، لذلك حوّل تجاربه تلك إلى أيقونات خالدة، فقد استطاع محمد الماغوط بقصيدته وتجربته الشعرية أن يواكب تطورات المجتمع العربي عامة والسوري على وجه الخصوص من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية تأثراً وتأثيراً، وأصبحت للشاعر القدرة على التحكم في إنتاج قصيدته التي صارت صنيعاً بين يديه وجعلها موصولة وقائمة على التغير الزمني، وأخرجها من الواحدية إلى التمامية ووصلها بطاقته الإبداعية الخالصة.

قصيدة “خريف درع” : اشتقت لحقدي النهمِ القديمِ .. وزفيري الذي يخرجُ من سويداءِ القلبِ .. لشهيقي الذي يعودُ مع غبارِ الشارعِ وأطفالهِ ومشرديهِ

وإذا ما تتبعنا مسار الكتابة في كل قصيدة من قصائد الشاعر فإننا نجده مساراً مبنياً على سرد تفاصيل مختلفة قادرة على إيصال فكرة معينة قد اقتنع بجدوى الكتابة عنها وحولها، فيكتب عن الدموع وعن الحزن والألم والاستبداد والحقد والحسد والكره، بكل تأكيد هي عناوين واقعنا العربي ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، ولذلك فهذه جرأة كبيرة عند الشاعر ليفضح العورات ويعري الواقع المهترىء، ولن يكون هذا ممكناً إلا إذا اعتمد نوعاً شعرياً قادراً على إيصال كل هذه الأمور بحرية في الكتابة والإبداع ألا وهي قصيدة النثر القادرة على ترك تأثير قوي لدى القارئ، بالتالي، نجد أن قصيدة محمد الماغوط تبدأ منه هو نفسه، أي أنه كان يعرف قصيدته أنها قادرة على البوح بمكنوناته وهو ما كان يوضح بجلاء أن صوره وهيئاته المادية توجد بقصيدته وتنكتب فيها، وبالتالي كانت القصيدة عند الماغوط بمنزلة “وحي صادق”.

إن فترة بزوغ نجم محمد الماغوط في سوريا والعالم العربي، حافلة بالمتغيرات، خاصة السياسية منها، إن كان على صعيد الحروب، او الانقلابات، ونهاية استعمار وبداية آخر، ونكبات لعل أشدها إيلاماً نكبة فلسطين (1948)، واجتياح الكيان الإسرائيلي للبنان وحرب تشرين (1956 وحرب 1973)، ظروف وعوامل سياسية أنهكت الشعوب في تلك الحقبة، كان الفقر سمة ملازمة لأغلب البيوت العربية والسورية بالطبع ليست استثناءاً منها، فقد كان اغتيال عدنان المالكي عام 1955 نقطة تحول في حياة الماغوط حيث اتُهِمَ الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتياله في ذلك الوقت، ولوحق أعضاء الحزب، وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط ضمنهم، وحُبس الماغوط في سجن المزة، وخلف القضبان بدأت حياة الماغوط الأدبية الحقيقية، تعرف أثناء سجنه على الشاعر علي أحمد سعيد إسبر الملقب ب أدونيس (شاعر) أدونيس الذي كان في الزنزانة المجاورة، وخلال فترة الوحدة العربية الوحدة بين سوريا ومصر كان الماغوط مطلوباً في دمشق، فقرر الهرب إلى بيروت في أواخر الخمسينات، ودخول لبنان بطريقة غير شرعية سيراً على الأقدام، وهناك انضمّ الماغوط إلى جماعة مجلة شعر حيث تعرف على الشاعر يوسف الخال الذي احتضنه في مجلة شعر بعد أن قدمه أدونيس (شاعر) أدونيس للمجموعة.

في بيروت نشأت بين الماغوط والشاعر بدر شاكر السياب صداقة حميمة فكان كان السياب صديق التسكّع على أرصفة بيروت، وفي بيروت أيضاً تعرّف الماغوط في بيت أدونيس على الشاعرة سنية صالح (التي غدت في ما بعد زوجته)، وهي شقيقة خالدة سعيد زوجة أدونيس، وكان التعارف سببه تنافس على جائزة جريدة النهار اللبنانية جريدة النهار لأحسن قصيدة النثر قصيدة نثر، ثم عاد الماغوط إلى دمشق بعد أن غدا اسماً كبيراً، حيث صدرت مجموعته الأولى حزن في ضوء القمر ثم المجموعة الثانية غرفة بملايين الجدران، وتوطدت العلاقة بين الماغوط وسنية صالح بعد قدومها إلى دمشق لاكمال دراستها الجامعية، وفي العام 1961 أدخل الماغوط إلى السجن للمرة الثانية وأمضى الماغوط في السجن ثلاثة أشهر، ووقفت سنية صالح وصديقه الحميم زكريا تامر إلى جانبه خلال فترة السجن، وتزوج الماغوط من سنية صالح عقب خروجه من السجن، وأنجب منها ابنتيه شام وسلافة، في السبعينات عمل الماغوط في دمشق رئيساً لتحرير مجلة “الشرطة” حيث نشر كثيراً من المقالات الناقدة في صفحة خاصة من المجلة تحت عنوان الورقة الأخيرة، وفي تلك الفترة بحث الماغوط عن وسائل أخرى للتعبير من أشكال الكتابة تكون أوضح أو أكثر حدة، فكانت مسرحياته المتوالية ضيعة تشرين وغربة، وفيها أراد الماغوط مخاطبة العامة ببساطة دون تعقيد، وهو واحد من الكبار الذين ساهموا في تحديد هوية وطبيعة وتوجه جريدة تشرين السورية في نشأتها وصدورها وتطورها في منتصف السبعينيات، حين تناوب مع الكاتب القاص زكريا تامر على كتابة زاوية يومية، تعادل في مواقفها صحيفة كاملة في عام 1975 وما بعد، وكذلك الحال حين انتقل ليكتب “أليس في بلاد العجائب ” في مجلة المستقبل الأسبوعية، كان لمشاركاته دور كبير في انتشار “المستقبل” على نحو بارز وشائع في سوريا.

من روائع الأديب محمد الماغوط : (إنني أعد ملفاً ضخماً عن العذاب البشري لأرفعه إلى الله فور توقيعه بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين).

خلال الثمانينيات سافر الماغوط إلى دولة الإمارات وإلى إمارة الشارقة بالتحديد وعمل في جريدة الخليج وأسس مع يوسف عيدابي القسم الثقافي في الجريدة، لكن وبكل تأكيد، كانت فترة الثمانينات صعبة وقاسية، بدأت بوفاة شقيقته ليلى عام 1984 ، ثم وفاة والده أحمد عيسى عام 1985، وكانت أصعب ضربة تلقاها هي وفاة زوجته الشاعرة سنية صالح عام 1985 بعد صراع طويل مع المرض، ولعل الضربة الأشد إيلاماً فقدانه لابنتيه معاً، فقد تزوجت ابنته شام أواسط التسعينات من طبيب سوري مقيم في أمريكا، ولم تأتِ لزيارة سوريا إلا لحضور جنازته، وكذلك ابنته الثانية سلافة المقيمة مع زوجها في بريطانيا، وقد تركت هذه المآسي المتلاحقة الأثر الشديد على نفسه وأعماله وكتاباته.

انتكاساته الكثيرة ربما ساهمت أيضاً في ذائقته الشعرية وإبداعاته منقطعة النظير، إذ يعدّ محمد الماغوط أيضاً أحد أهم رواد قصيدة النثر في الوطن العربي، فقد كتب الخاطرة، والقصيدة النثرية، وكتب الرواية والمسرحية وسيناريو المسلسل التلفزيوني والفيلم السينمائي، وامتاز أسلوبه بالبساطة والبراغماتية وبميله إلى الحزن، من أهم أعماله المسرحية: (ضيعة تشرين، شقائق النعمان، غربة، كأسك يا وطن، خارج السرب، العصفور الأحدب، المهرج)، ومن أعماله السينمائية: (الحدود، التقرير)، وأهم مؤلفاته الشعرية: (حزن في ضوء القمر، الفرح ليس مهنتي، غرفة بملايين الجدران)، ومن رواياته: (سأخون وطني، سياف الزهور، شرق عدن غرب الله، البدوي الأحمر).

من روائع محمد الماغوط .. (لو كانت الحرية ثـلجاً لنمت في العراء)..

ومن المؤكد أن احترافه للأدب السياسي، وتأليفه العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كان يخاطب كل الوطن العربي وليس الشعب السوري فقط، كان ينقل من يحضر مسرحياته إلى استحضار الألم والمعاناة وكأنها تمسه خاصة تلك التي لها علاقة بالأوطان، كان يملك القدرة على إضحاك وإبكاء الجماهير من المحيط إلى الخليج، محمد الماغوط أكثر شخصية تمرداً وجدلاً، اقترب من المواطن العربي كما لم يقترب أحد لأنه كان يملك مأساةً نشترك فيها جميعاً، وكما قال في أحد لقاءاته، إنه كان يكتب للآخرين، للأنقياء أكثر من المطر قبل أن يلامس الأرصفة. لمن لا يعرفون إذا كانت “اللوموند” تصدر في باريس أو في أبو ظبي، للذين يولودون ويموتون من دون أن يغادر أحدهم قريته، أو يتخلى عن أصدقائه، أو يغير نوع تبغه، أو يبدل طريقة استلقائه على عشب البيادر أو بلاط السجون، ولعل أبلغ جواب كان على سؤال : (لقد تساءلت في أحد مقالاتك وقلت : “ماذا فعل المواطن العربي لحكامه خلال الثلاثين سنة حتى يعامل هذه المعاملة؟!)، وأجاب الماغوط : أعطاهم أولاده للحروب، وعجائزه للدعاء، ونساءه للزغاريد، وكساءه لليافطات، ولقمته للمآدب والمؤتمرات، وشرفاته وموطىء قدميه للمهرجانات والخطابات، وطلب منهم نوعاً واحداً من الحرية، وهو النوع المتعارف عليه في أبسط الدول المتحضرة، فأعطوه عشرين نوعاً من الحرية لا يوجد لها مثيل لا في الدول المتحضرة ولا في الدول المتوحشة، أعطاهم سبع دول عام 1949 لتوحيدها، فأعطوه بعد ثلاثين سنة 22 دولةً لا يستطيع 22 بسمارك أن يوحد أنظمة السير فيها، ومنذ ثلاثين سنة أيضاً أعطاهم قضيةً ظريفةً خفيفةً كالفلة، تتمنى معظم الدول والشعوب في ذلك الحين أن يكون عندها قضية مثلها؛ وهي قضية فلسطين. فأعطوه بالإضافة إليها، قضية لومومبا، وقضية المالكي، وقضية فرج الله الحلو، وقضية الشوّاف، وقضية البرازاني، وقضية بن بركة، وقضية بن بللا، وقضية بن عاشور، وقضية عبد الحكيم عامر، وقضية برلنتي عبد الحميد، وقضية علي صبري، وقضية خزنة عبد الناصر، وقضية موسى الصدر، وقضية جنبلاط، وقضية سعد حداد، وقضية أحمد الخطيب، وقضية الخميني، وأخيراً قضية السادات.

لقد كان الماغوط كاتب تلك المرحلة التي تكاد تشارف العدميّة في تاريخ العرب المعاصر، بينما أكثر كتّاب اليوم يعيش في كنف السلطة السياسيّة، لقد تحوّلت الكتابة عند طائفة من الكتّاب إلى ذريعة من ذرائع السياسة بمفهومها الحزبي الضيّق، حتى قلّ بينهم من يُؤثِر الكتابة على المجد العابر، وعلى خذلان حقّه وحقّ الآخرين في التعبير، فباتت الكلمة متخندقة بين جدران القصور والأحزاب والمواقف المائلة تترنح وفق الأهواء السياسية، معهم معهم، عليهم عليهم، لكن الماغوط كان يمشي بعكس التيار، ومسرحياته ترجمت هذا الواقع فكان المسرح ينطق باسم الشعوب جميعاً.

من روائع الماغوط : (أنا ما بقدر ارحل عن الوطن .. أنا بدوخ بالطيارة يا أخي .. ثم لنفرض أنو أنا بعدت عن الوطن .. ورحلت عنو لبعيد .. بس مشكلتي أنو الوطن ما ببعد عني بضل عايش فيي من جوّا .. وين بدي أهرب منو ؟! وين ؟! لذلك بدي ضل عايش فيه غصباً عن يلي ما بدو .. ولسه بدي أكتب إسم بلادي عالشمس يلي ما بتغيب …).

حاجتنا اليوم إلى محمد الماغوط كبيرة جداً، واقتبس من كلام الماغوط نفسه لأختم مقالاً لا نهاية له، مقالاً يبين أن الأمة في حالة محزنة، العبث طال أدق تفاصيلها، لكن ما من ماغوطٍ بيننا، (عدد الماغوط أمراض الشعوب العربية السارية كالمناقير الإعلامية والأمراض الاعتبارية والموضوعية والانزلاقية والتصفوية والجبهوية.. ويقترح أن يعالجها الدكتور كيسنجر (فله عيادات شتى في المنطقة، المرضى: لقد ذهبنا إلى عيادته يا سيدي فرفض استقبالنا، الطبيب: لماذا؟ المرضى: قال إن اختصاصه هو معالجة الأنظمة لا الشعوب)، وإن اللبيب من المعنى يفهم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى