أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

مطلوب متحدِّث إعلامي لبق..

رحمة بنت مبارك السلماني

 

مطلوب متحدِّث إعلامي لبق..

 

في ظل سطوة وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني الذي أضحى سبّاقاً في إعلام الناس بآخر المستجدات وأهم الأحداث في مختلف أنحاء العالم، خفت بريق الإعلام التقليدي الذي تراجع وفقد بعض قوته وجبروته بعد أن بات غالبية الناس يحصلون على أحدث الأخبار بدقة وسرعة فائقة من خلال مختلف أجهزة ووسائل التواصل الاجتماعي الملازمة لأيديهم والملاصقة لأعينهم في كل وقت وحين، في الوقت الذي لا زال فيه الإعلام التقليدي يخطو متعثراً أو بالأحرى يحبو لتقديم معلومة أو نشر خبر قد فات الأوان لنشره إذ سبق أن ذاع صيته وانتشر كالنار في الهشيم، متأخراً كعادته في نشر الأخبار من مصادرها الموثوقة المسبوقة، التي غالباً ما تُقدّم الاعتذار؛ هرباً من الأسئلة والتساؤلات وقليلاً ما ترضخ للمثول أمام عدسات وشاشات وأجهزة وسائل الإعلام بشكل عام، للإدلاء بتصريح أو تقديم معلومة أو شرح قرار أو توضيح بيان صادر.

في الوقت الراهن ووسط الأحداث والتطورات المتسارعة واحتدام المنافسة بين الإعلام الرقمي (الإلكتروني) والإعلام التقليدي أمسينا بأمس الحاجة لإعلام رسمي قوي وسريع ومؤثر، يقوم بدور ملموس في نشر الحقائق بدون تزييف أو تزيين ودحض الشائعات لكبح جماح المغرضين، وتوسيع دائرة الاتصال والتواصل بين المؤسسات والمجتمع، وإيضاح بعض القوانين المبهمة للجمهور، ودعم قضايا الرأي العام وقضايا الشباب، والمشاركة في تلمّس احتياجاتهم وتلبية متطلباتهم وتبنّي أفكارهم، ومساندتهم من أجل الحصول على حقوقهم وتحقيق طموحاتهم، لذلك لا بد أن يكون لدى كل مؤسسة حكومية كانت أو خاصة متحدث إعلامي رسمي؛ لأنه سيكون بمثابة حلقة الوصل بين المؤسسة والمجتمع، ولا بد أن يكون لبق حتى يستطيع أن يتحدث بواقعية وشفافية ومصداقية دون ارتباك أو تلعثم، كما ينبغي أن يكون مبدعاً في إبداء رأيه عند الحاجة، دون الوقوع في مستنقعات التحيّز أو الانزلاق في مزالق التشتت، ودون أن يطلق تصريحات مدمرة، ودون أن يلوي لسانه بمصطلحات علمية بحتة ومفاهيم فلسفية معقدة وبيانات عميقة وتفاصيل عقيمة، لا يعيها عامة الشعب ولا تمت للواقع بصلة في بعض الأحيان، ولكن ليُري العامة أنه مثقف ومتمكن، ودون أن يتسمّر مكانه واجماً باحثاً عن أداة مساعدة ومستنجداً بكلمات مكتوبة من هنا وهناك.

من المهم أن يتمتع المتحدث الإعلامي الرسمي بسمات ومواهب شخصية تؤهله ليكون جديراً بالمنصب؛ لأنه يمثل واجهة للمؤسسة التي ينتمي إليها فيجب أن يكون له دوراً بارزاً في تعزيز سمعتها وإظهارها بالمظهر المشرف واللائق بها، كأن يتمتع بالإيجابية والثقة بالنفس وقوة الشخصية، وأن يكون سريع البديهة واضح الأفكار ومقّنع يتحدث بما هو معقول ومقبول، ويتجنب التلميحات المسممة أو الايحاءات السلبية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولكن تدمّر المعنويات وتؤجج الفتن والصراعات، كما يجب أن يحترم الجمهور المتلقي وأن يراعي المستويات التعليمية لمختلف شرائح المجتمع، فلا يطلق العنان لفلسفته الزائدة ويبتعد عن الكلام المبطن، ويراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، فلا يبالغ في تحليلاته ولا يغالي في تصوراته، بل يجب عليه أن يحسن انتقاء كلماته ومفرداته.

كما يجب أن يكون لديه حسن التصرف والجاهزية والاستعداد لتقديم إجابات كافية وشافية ومنطقية لكل التساؤلات حتى تلك الغير متوقعة، وأن يتمتع بالقدرة على التعامل مع الأنباء السيئة والتحكم في مشاعره، والسيطرة على الموقف والقدرة على الخروج من المأزق بأقل الخسائر، لذلك يجب أن يمتلك معلومات جيدة وكافية عن المؤسسة التي يعمل لديها على الأقل، إن لم يكن لديه معلومات عامة عن المؤسسات ذات العلاقة بمؤسسته ومعرفة بسيطة بالمجالات المختلفة ذات العلاقة، ويجب أن يكون لديه اطلاع جيد ومعرفة وخبرة بالقوانين والقرارات والتوجيهات المستحدثة؛ كي يتمكن من الرد باحترافية ولباقة عالية على أي سؤال مفاجئ، بعيداً عن العشوائية والارتباك والتردد، ويستطيع أن يتجاذب أطراف الحديث لتغطية الجوانب المهمة بكل سلاسة وبدون غرور وغطرسة، كما يجب أن يضبط نبرة صوته حتى لا يبدو كمهرج ولا يتحول لرجل آلي، ويجب أن يكون لديه رحابة صدر ومتزن يبتعد عن التهويل أو التحقير؛ لأن التوازن منهج مهم ومبدأ راقي في كل الأحوال.

إن المتحدث الإعلامي وإن كان حسن المظهر بهي الطلة جميل المبسم، فإن ذلك لن يشفع له إن كان خاوي الجوهر بلا محتوى جاذب ومهم، وإن كان متقاعساً عن تطوير ذاته وغير مبالياً بتنمية مهاراته، فأناقة المظهر والهندام وحدها لا تكفي إن لم تصاحبها أناقة اللغة والحديث؛ لأنه في حال ارتكب خطأ أو شيئاً من الحماقات التي تتسبب في حشره في موقف محرج فإن ذلك سيُفقده الكثير من سمات شخصيته ويجب عليه أن يتحمل مسؤولية تبعات ذلك، فهو مسؤول ومُحاسب عن كل مفردة أو لفظ يتلفظ به وعن كل ردة فعل أو تصرف يقوم به، فعامة الناس أصبح لديهم الوعي الكافي لمعرفة الحقائق وتقصيها، والبحث بمختلف الوسائل للوصول للحقائق أو الأهداف المنشودة، إن الوضع أصبح مخزي ومؤسف بالفعل ونحن في عصر التقنيات الرقمية حين يعجز متحدث إعلامي باسم مؤسسة مرموقة عن الإجابة على سؤال بسيط في مجال عمله، أو الاسترسال في الحديث والتعبير ببضع كلمات عن مهام المؤسسة التي ينتمي إليها، أو تقديم إيجاز عن دور الجهة التي يُمثلها، حتماً سيلاقي ذلك ردات فعل ساخطة ونقد لاذع وتعليقات سلبية من قبل الجمهور، بسبب سذاجته وسطحيته والتشكيك في نزاهته ومصداقيته، واليقين التام بعدم أهليته وكفاءته لمزاولة مهام تلك الوظيفة المهمة.

بلا شك أن هناك مؤسسات أيقنت مدى أهمية وجود متحدث إعلامي رسمي خاص بها، وقد نجحت بالفعل في رسم خارطة الطريق ووضع النقاط على الحروف من خلال تأمين متحدث رسمي لبق لديها؛ تفادياً للوقوع في أخطاء وقع فيها آخرون، وتجنباً لعثرات تسببت في فضائح لبعض المؤسسات، وقد أحدث ذلك نقلة نوعية في تقدمها وتطورها واكسابها سمعة براقة، حيث ساهم في نقل صورة مشرّفة واضحة المعالم عن المؤسسة والعاملين فيها بكل مصداقية وشفافية، بعيداً عن الفوضى والغموض والضبابية التي تخيم على الكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء، والتي أكسبتها سمعة سيئة وملامح باهتة مطموسة أدت إلى تأخرها وتدهورها، وفقدانها لثقة الجمهور والمتعاملين لديها.

في الختام وبعيداً عن الأزمات والتساؤلات والهجمات التي كانت ولا زالت تلاحق بعض المؤسسات التي تدّعي المثالية، رغم تساهلها وعدم مبالاتها في تعيين أو إعداد متحدث إعلامي رسمي لها أو رفضها للفكرة بعينها أساساً، ومواصلة تكتمها على المواضيع المهمة والقضايا المُلحّة لحاجة في نفس يعقوب، فكل ما تقدم ليس مجرد نقد ولكن تذكرة لمن لهم آذان واعية، وهنا لا يسعني إلا أن أفخر بكل إعلامي كفءٍ ذو فكرٍ راقٍ ومنطق أنيق وشخصية متألقة، قدّم كل ما هو جيد ومفيد، وجاهد ذاته ليبدو متفرداً حتى لا يجرفه تيار التقليد، وأبدع في إدارة الحوار بعيداً عن المجاملات أو التعقيد، وصب جل اهتمامه بالقضايا المهمة وابتعد عن الخوض في توافه الأمور، فتحية مغلفة بالتقدير والاجلال لأولئك الذين أحسنوا انتقاء كلماتهم، وأبدعوا في تهذيب ألفاظهم في كل مقام ومقال، وصانوا ألسنتهم وارتقوا بتفكيرهم لبلوغ أهدافهم وتقديم رسالتهم السامية بكل إخلاص وتفاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى