أصداءأقلام الكتاب

مـن ملامـح التـراث السـودانـي..

الكاتب الصحفي/ محمـود الكنـزي

 

مـن ملامـح التـراث السـودانـي..

 

يعتبر التراث الشعبي لكل دولة هو كل ما ورثه هذا الشعب من عادات وتقاليد وفنون ومقتنيات مادية وغير ذلك عن أسلافه .. حيث يعتبر التراث الشعبي علامةً مميزة وفارقة لكل شعب .. بحيث يتميّز به عن باقي الشعوب الأخرى وتتشكّل به هويته الخاصة .. أمّا التراث الإنساني فهو أوسع في مضمونه من التراث الشعبي .. إذ يتكوّن من كلّ ما توارثته الشعوب الإنسانية عن أسلافها جيلاً إثر جيل وحضارة بعد حضارة إلى أن صار التراث اليوم غنيّاً جداً بمكوّناته وعناصره المختلفة ..

في إحدي حفلات الزواج بالسودان لفت إنتباهي تفاعل الشباب مع اغنيه (الخدير) التراثية .. وبعد نهايه الحفل سألت احد الباحثين في مجال التراث السوداني عن موضوع هذه الأغنية فقال هي من أغاني (الحداء) والحداء هو الغناء الذي يشترك فيه مجموعة من الناس أثناء تأدية عمل معين من أجل أن يطردوا به الملل والنعاس والمشقة ويضبطون به إيقاع العمل نفسه .. وأشهر الحداء ما كان يتغني به قديما للإبل أثناء سير القوافل ويسمى المغني حادياً .. كما ذكر في وصف قوافل الحجيج :

سرتم وسار دليلكم ياوحشتي   ..   الشوق أقلقني وصوت (الحادي).

وأيضا قوله :

صلى عليك الله يا علم الهدى   ..   ما سار ركب أو ترنم (حادي).

ومن أشهر الحداء في التراث السوداني أغاني جر الدلو بالإبل والحمير من أجل استخراج الماء من البئر .. وأغاني الهيلاهوب في أعمال البحر لتجديف المراكب وتغنّى هكذا .. هيلا .. هيلا .. هيلاهوب .. ومع كلمه هوب يسحب كل فرد مجدافه بقوه لضبط الإيقاع أثناء التجديف .. وأشهر الحداء عندهم اغاني الحصاد وتحديدا الأغنيه موضوع هذا المقال  في دق العيش :

الخدير أنا ماني حي 

النقدو الطير أنا ماني حي 

دق العيش في القمرا

يا آب راسين نارك حمرا

الليل برد أنا ماني حي

والصيد ورد أنا ماني حي

شمه جات أنا ماني حي

لابسه العاجات أنا ماني حي

وكانت تجري عملية دق العيش ليلا في ضوء القمر .. وكانوا ينقسمون لمجموعتين يتبادلون الضرب بإيقاع سريع علي السنابل المجموعه في شكل أكوام .. ويسمي كوم السنابل (جرن) .. فتقول المجموعه الأولي الخدير .. فترد الثانيه أنا ماني حي ، وهكذا .. و (الخدير) هو السنابل التي حصدت خضراء .. و (النقدو الطير ) تلك التي أكلت أطرافها الطيور .. أما (أب راسين ) هو المدقاق عود من الحطب في شكل حرف (T) يستخدم لدق العيش .. ونارك حمراء كناية عن مشقة وصعوبة دق العيش .. و (شمه) كناية عن المحبوبه .. وهو من الأسماء الشائعه في ذلك الزمن .. وهو الشيماء بالفصحى ..كما يقولون عشه لعائشة .. ولابسه العاجات .. الأسورة في ذلك الزمن كانت مصنوعه من العاج (سن الفيل) .. والغرض من هذه المساحة ربط الحاضر بالماضي والتعرف على بعض موروثاتنا التي إندثرت في ضوضاء حاضرنا الصاخب سريع الإيقاع .

والآن بعد ظهور الحاصدات الآليه ضاعت كل هذه الأهازيج التراثية .. واندثرت أعمال النفير كقيمه وسلوك تكافلي بين المجموعات..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق