أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

مفهوم الوعي بين الواقع و جدلية التطور..

طـلال بن حـمـد الـربـيـعـي

 

مفهوم الوعي بين الواقع و جدلية التطور..

 

كل فكر هو نتاج للواقع الذي نعيشه، والواقع هو الوجود المادي الذي واجهنا بل تحدانا لنبلغ نحن البشر لحظة الوعي الأولى لينطلق هذا الوعي في جدلية أبدية معه، فمنذ ظهور الإنسان العاقل (الهيموسيبيان) على وجه الأرض قبل حوالي (350 سنة) مر بمراحل كثيرة إلى أن وصل إلى مرحلة الوعي منذ 70 ألف سنة من الآن ؛ والتي هي بداية إدراك الانسان للعالم من حوله ولنفسه، فالإنسان هو الكائن الوحيد (إلى حد الآن) الذي يمتلك وعيا على خلاف الكائنات الحية الأخرى،  فعندما نتسآل عن معنى الوعي؟ وما علاقته بتطور الانسان؟ نجد صعوبة في تحديد دلالاته بشكل دقيق، ولكنه في المفهوم العام نجده خاصية من خصائص العقل البشري.  ومن خلال دراسة العلماء للتاريخ و الأركيولوجيا لاحظوا ان هناك علاقة بين التطور الاقتصادي ووسائل الانتاج والانماط الاقتصادية المرافقة له وتطور الوعي،  ومن خلال هذه الدراسات تم الاعتقاد ان معظم الدول المتخلفة يكفي لتحريكها ولتكون في مصاف الدول المتقدمة ان يتم تطوير  البنى الصناعة والاقتصادية وتأسيس الاعمال والمشاريع الصناعية والانتاجية أسوة بما حصل في أوروبا بعد  الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وهنا تجدر الإشارة الى ان الثورة الصناعية في أوروبا لم تظهر فجاءة وانما سبقتها حركة فكرية امتدت طوال القرن السادس عشر والسابع عشر وهو ما يسمي بعصر النهضة الأوروبي.

لقد اعتقد الكثيرون انه يكفي لهذه الدول  الحصول على رؤوس الأموال والاستثمارات والأطر الفنية الملائمة والإدارة التقنية، كي تنطلق على دروب التنمية والتطور والحضارة . وكانت هذه النظرية سائدة  بعد الحرب العالمية الثانية خاصة مع استقلال عدد كبير من الدول في العالم والتي كانت تحت الاستعمار الغربي ومن ضمنها الدول العربية، لكن الواقع الذي نشاهده اليوم مختلف تماما فهذه النظرية التي تعتمد على الاقتصاد كمحرك (ديناميكي) لتطوير الشعوب وتغيير افكارها ووعيها بتخلفها لم تنجح في كثير من الدول وظلت دولا متخلفة رغم الثروات التي تملكها…لقد شاهدنا كيف ان الدول التي تبنت الرأسمالية الغربية عجزت  عن أداء دورها التقدمي من خلال نشر الوعي وتغيير الثقافة السائدة كحالها عند بداياتها في اوروبا فتحولت الى مجرد كومبرادور تابع يحافظ على التكوين الاقطاعي التقليدي المترابط مع الرأسمال العالمي؛ وبالتالي تخلت عن انشاء بنية رأسمالية بالمفهوم الأوروبي أي الصناعي الحداثي ، والامر نفسه مع الدول التي انتهجت الاشتراكية فقد اخذت على عاتقها النمو الاقتصادي والزراعي والعسكري، ولكن اهملت جانبا مهما جدا وهو الارتقاء بالوعي الجمعي للشعب.. فلماذا فشلت هذه الدول ونجحت بعضها؟ السبب الرئيسي من وجهة نظري ان هذه التغييرات او النمو المادي الذي حصل  لم ينتج عن بنية اجتماعية فكرية وعلمية وانما جاء فوقيا فلا يكفي  الحصول على الثروة ورؤوس الأموال لتحقيق النهضة والتطور وانما المجتمعات بحاجة الى تغييرات جذرية في الوعي والفكر والثقافة فالعلاقة هنا جدلية بني السبب والمسبب(البنية والنمط الإنساني الناتج عنها ).
أصبحنا ندرك تماما أن بناء الوعي  هو  أصعب عقبة على الشعوب ان تجتازها في سبيل التقدم والتطور ، فالثراء يمكن ان يتحقق عن طريق اكتشاف سلعة محتكرة لدى دولة او دول  معينة كالنفط او الغاز او الذهب … الخ. وقد تتحقق رفاهية مؤقته لشعوب تلك الدول ولكن بدون تطور ووعي حقيقي ، ولابد ان نعي تماما ان الوعي لدى الشعوب لا يحدث عن طريق الطفرة أو بسبب خارجي  او يحدث فجأة  من العدم فينقلب حال الشعب ما بين ليلة وضحاها من شعب متخلف إلى شعب يتمتع بالوعي والحس الحضاري ، فالوعي ينمو لدى الشعوب عن طريق الترسبات والتراكمات الزمنية ، ومما يزيد الأمر صعوبة  ان هذا الترسيب للمفاهيم الجديدة لتشكيل الوعي الجديد لا يتم في فراغ ، إنما هي عملية إحلال وابدال ، إحلال المفاهيم الجديدة محل المفاهيم البالية المتخلفة التي اقعدت بالشعب واورثته التخلف والانحطاط ، وعملية الإحلال والابدال تقابل عادة بمقاومة صعبة من قبل الشعب لأنه وبسبب تخلف الوعي لا يعي ولايدرك ما يعيش فيه من تخلف وانحطاط ، بل قد يكون فخورا ومعتزا بهذه المفاهيم المتخلفة التي تشكل النسق السلوكي الجمعي له ، من هنا تنبع صعوبة محاولة تعديل أو تغيير هذا النسق السلوكي أو منظومة الأخلاق التي تنظم حياة الشعب والارث التاريخي الذي يشكل وجدانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى