أصداءأقلام الكتاب

مقاصـد وأسـباب الإسـتـدلال بغـيـر القـرآن الكـريـم..

        د . عـبـدالعـزيـز بـدر القـطـان

      كاتـب ومفـكـر وحقـوقـي كـويتي

 

مقاصـد وأسـباب الإسـتـدلال بغـيـر القـرآن الكـريـم..

إن وسائل التواصل الاجتماعي على كثرتها لكنها سيف ذو حدين، رغم أن البعض يعتبرها تطوراً مزعجاً، والبعض الآخر يرى فيها آفاق وتوسع في البحث عن المعلومات، فلها حسناتها ولها سيئاتها، رغم أن الأخيرة أكثر بكثير، من الأولى، لأن هناك من الأقلام من تعمل على نشر التحريف وغسل الأدمغة، وترويجٍ لأفكار ليس فقط خاطئة، بل تشوّه الحقيقة، وهنا الطامة الكبرى.

في هذا الفضاء الواسع، إستوقفتني كارثة كبيرة إن جاز لي بوصفها كذلك، رأيت مقطعاً مصوّراً لأحدهم، يستدل بمقطعه هذا بالتوراة، حول مسألة وجود الأئمة الإثنا عشر، قبل البدء بنقد وضحد وتصحيح وإعادة الأمر إلى نصابه، لابد من التأكيد على مسألة الدفاع عن الإسلام من الواجب والمحبة، ومن الأخلاق والإنسانية والضمير، أن نأتي على الحقيقة لأن الإسلام عزنا وتاج على رؤوسنا، طالما لدينا كنز ثمين بين أيدينا وهي مصادر التشريع الإسلامي، في قمتها كتاب الله عز وجل وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالإجماع والقياس، ونبني عليها كل شاردة وواردة إذ لم يغفل القرآن الكريم لا صغيرة ولا كبيرة إلا ووضحها، بعكس من يحاولون الإعتماد على الكتب المحرفة والتي نخجل من أن تكون صادرة عن أشخاص مسلمين.

لا تـعـبـث بالإسـلام !!..

فالإستدلال بالتوراة المحرفة لأمر يعتبر من مهازل الفكر الإسلامي، حتى وإن كان المدّعي أنه ينتسب إلى أي مدرسة إسلامية من خلال الإستدلال عن هذه الفكرة من كتاب التوراة المحرف، فاليهود قاموا بتحريف الكتاب السماوي وهذه حقيقة موجودة في القرآن الكريم، فهناك لأجل هذه الغاية، علم الجرح والتعديل والإسناد والجرح وعلم الحديث لدعم الموضوع الديني سيثبت إن كان صحيحاً، لكن ترى البعض يخشاه لأنهم أساساً لا يمتلكون علم أصول الفقه أو علم الرجال والمصطلح والحديث والجرح والتعديل وعلم العلل.

لكن الأخطر من ذلك أن الإستدلال بالتوراة لم يكن بلسان عربي بل بلسان عبري، ولا حول ولا قوة إلا بالله إذا كان هذا حال الأمة الإسلامية أو بعض من ينتسب إلى الدعوة الإسلامية والفكر الإسلامي الأصيل ومدرسة أهل البيت عليهم السلام لا يعرفون العبرية، وإسنادهم صحيح متصل إلى حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومتوافقة  ومنسجمة مع القرآن الكريم، وكل الروايات التي تأتي بلا إسناد أو مقطوعة، أو تروى بلا سند أو رواتها (جهلاء) فلا يستدل بقولهم ولا يصح أن ننسب لهم تلك الأقوال ولو كانت من الكتب، وأما إستدلال بعض أدعياء الثقافة بالتوراة إستدلال باطل ومشبوه ويدل على الجهل، لا بل هو كفر بالقرآن الكريم الذي نبهنا بآياته أن لا نستدل بكتب سماوية محرفة، ونحن نقر بها لكن الصحيحة لا المحرفة من قبل اليهود وهذه الآية الكريمة توضح ذلك، (اليهود يحرفون الكلم من موضعه)، فالإستدلال بالتوراة (المحرف) كارثة علمية وجريمة تصل إلى حد الكفر بما جاء به القرآن الكريم كما أشرنا في الآية أعلاه، وأهل البيت عليهم السلام أكبر وأجلّ من أن ينسب لهم ما لن يقبلوا به، فأهل البيت عرب وكانوا يتكلمون العربية لا العبرية، والبعض يروي عنهم زوراً وبهتاناً، بلا إسناد أو بإسنادٍ مقطوع، ونحن من نروي عن أهل البيت بالسند العلمي المتصل الصحيح، وعلى آل البيت وعلى النبي أفضل الصلاة وأتم التسليم.

نـقـاء الإسـلام..

إن الإستدلال بعيداً عن مقاصد الشريعة الإسلامية يحتاج منا أن ننقي التراث الإسلامي من أي تحريف أو تزوير ونحقق في ذلك لتبيان الحقائق بالدلائل، ونشكر الله أن في تراثنا الإسلامي الخير الكثير، والسادة العلماء الأوائل في القرن الثاني والثالث والرابع، أرسوا قواعد مهمة في علم مصطلح الحديث وعلم الرجال وعلم العلل والمصطلح ودونوا للحفاظ على هذا التراث من عبث كل فاجرٍ وفاسقٍ وفسوق، فالحمدلله رب العالمين أننا نحن أمة الإسناد بالقرآن والسنّة، فلا نقرأ القرآن إلا بالسند العلمي المتصل إلى رسول الله سواء بروايات حفص أو نافع أو شعبة أو ورش.

ونحن أمة لا تحتاج إلى كتبٍ سماوية محرفة، إنما ما نأخذ به فقط ما جاء به كتابنا العزيز ، فالتصديق بالتوراة من دون القرآن هو تكذيب للكتاب الكريم، وكفر به، قال تعالى: “وما فرطنا في الكتاب من شيء، فيه تبيان لكل شيء”، ففي القرآن الكريم كل شيء يخصنا، ففيه كل شيء كامل من تشريع وعقائد وكل شيء، فالمعيار لتأكيد صحة أي حديث هو القرآن فقط وهذا وعد الله تبارك وتعالى، ولا يوجد لدينا ما نخفيه وطالما هي عقيدة أمرنا بها الله عز وجل كالصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان بالملائكة واليوم الآخر  تجدونها في القرآن الكريم، وهنا يجب ألا نأخذ بالإسرائيليات لبني إسرائيل ولا بالديانات الأخرى لأنهم حرفوها، فنحن لدينا السند العلمي الذي هو بالقرآن مهيمن، وبالذات العقائد التي تؤخذ من كتاب الله أولا وأشدد على كلمة أولاً، وما غير ذلك هو إفتراء على القرآن الكريم والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وبمعنى أدق، كل المسلمين وكل علماء الأمة تعلم أن مصادر التشريع الإسلامي هي القرآن الكريم والسنة والإجماع ثم القياس وعلى خلاف بعض المسائل والذي هو إجماع آل البيت وحجة عمل أهل المدينة، وأي شيء خارج عن ترتيب مصادر التشريع لا يعتد به دليلاً، وأي إعتماد على التوراة فيرد قوله قولا ًواحداً، لكن يجوز للباحث أن يستدل بالتوراة من حيث الإستئناس ويعترف بذلك، لكن ذاك الشخص يضع إستدلاله على أنه يقين غير قابل للطعن، وبالتالي، نسأل السؤال التالي، هل التوراة صحيحة كما يدعون وينسبونها لسيدنا داوود عليه السلام؟ من هنا علينا التمييز بأن الإسلام شرّفنا بالإسناد الصحيح والثابت.

إدِّعـاءٌ بـاطـل..

فهذا الإنحراف بالإسلام والإعتماد على الحجة بالتوراة وكأنه تقليل من شأن القرآن، وهذا ينطبق على كل من لا يستطيع أن يثبت عقيدته فيذهب إلى مراجع أخرى وبلغة كالعبرية، فهذا هو الجهل بعينه، وذلك فيه من الإهانة لتراثنا الإسلامي الكثير وفيه إهانة لأهل البيت عليهم السلام، وهذا ليس من الدين في شيء، وأخشى ما أخشاه أن يكون ذلك فعلاً ثقافة من لا ثقافة له، أي من الثقافة الشرعية ولا منهجية له سوى الكلام والتلبيس على عامة الناس، وهنا أحذر من هذا الفكر ومن تداول هكذا مواضيع سواء مكتوبة أو مرئية التي تحوي منهجية لا علمية وتضلل الأمة الإسلامية عن الطريق الصحيح، والمعيار كما أسلفت أعلاه، وكما جاء في كتاب الله عز وجل: “وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول”، فهذا هو المعيار برده إلى القرآن والسنة النبوية الصحيحة المسندة والمتواترة والمتصلة السند والموافقة للقرآن، فلا يجوز الإستدلال بكتب سماوية للمسلم بغير القرآن الكريم، فالإنجيل يقول “عيسى عليه السلام إبن الله”، لكن بعقيدتي وما أؤمن وما جاء بكتابي القرآن أن عيسى عليه السلام كلمة الله، فالعقائد لا تثبت إلا من خلال القرآن الكريم والحديث الصحيح.

وتجدر الإشارة إلى أننا كمسلمين نحترم عقائد الجميع، لكن طبقاً لعقيدتنا نؤمن ما جاء في القرآن الكريم، فليست مشكلتنا من محاولة البعض إثبات عقيدتهم في القرآن الكريم ويفشلون فيلجؤون إلى الكتب السماوية الأخرى، وذلك شرعاً وعقائدياً خاطئ، فتراهم يذهبون للبحث بالمتشابهات وبالروايات التي لا يستطيع إثبات الجرح والتعديل فيها، وفحص الأسانيد ويفهم بالرواية أو الدراية، وترى أغلب رواتهم “جهلاء”، أو غير معروفين، وليس لهم أسانيد متصلة فتراهم لا يستطيعون الإتصال بالإمام أو بالرسول صلى الله عليه وسلم بالرواية المسندة سند كامل أو الإتصال أو الإستدلال بالقرآن الكريم، وهنا المشكلة، فهذه العقيدة مرتبطة بالله عز وجل، كالإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، والإيمان بالأنبياء والرسل كما قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، في سورة البقرة “آمن الرسول الكريم بما أنزل إليه من ربه والملائكة”، فالعقيدة القرآنية هي من القرآن لا مما ينشر هنا وهناك وإعتبارها دليل على إمامة فلان وغيره.

ونقولها كمسلمين من خلال نهجنا وعقيدتنا ولا نخاف من قول الحقيقة، التي جاء بها كتابنا العزيز “من الذين هادوا يحرفون الكلم عن موضعه”، و “يا أَيها الَّذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنَّصارى أَولياء بعضهم أَولياء بعض ومن يتولَّهم منكم فإِنَّه منهم إِن اللَّه لا يهدي الْقَوم الظَّالمين”، فهل خلا كتاب الله والروايات الصحيحة المسندة والمتصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بقواعد أهل علم الجرح والتعديل وعلم مصطلح الحديث عن أهل البيت، حتى تستدل بغيرهما عن عقيدة إسلامية من غير القرآن الكريم!، قطعاً لا.

العـزة للإسـلام..

إن الثقافة القرآنية تمنحنا العزة وفيه كل شيء واضح، يقول تعالى في كتابه العزيز: “من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا”، فلا يوجد من عاقلٍ مسلم يُحرِف كتاب ويُقدسه ويؤمن به بذات الوقت، ومهما خرجت أمثلة عن علماء الإسلام قديماً فهي “مبتورة” ممن إستشهد بغير القرآن الكريم، فهذا شأنهم ورأيهم، فلقد وضحت مصادر عقائدنا أعلاه وكررتها كثيراً، لكن ليس بغرض السجال كمن يروج لإستدلاله من غير كتاب الله كإبن تيمية وإبن كثير على سبيل المثال لا الحصر، هنا جوابي واضح ان عقيدتي ومنهجي من كتاب الله عز وجل ومن السنة والحديث المتصل إلى رسول الله وسنته النبوية، إذ ليس نهجي مما يقو الغير، فالحق هو هذا وغير ذلك تزويراً وبهتاناً، فكتب كبار العلماء من الأمة المتخصصين الذين يفهمون السابق ويربطوه باللاحق، ويفهمون مقاصد وأسباب الإستدلال وفقط حينها يستدل الباحث إذا كان متخصص لدعم بحثه بعد إعتماده على مصادر التشريع الإسلامية الأساسية، لكن لا نأخذ قصاصات من كتب مطبوعة فهذا ليس بدليل أو منهج علمي على الإطلاق، فالقول الصحيح يكون من القرآن الكريم، وقل بفخر هذا دليلي وهذا برهاني، ومن سنة النبي المعتبرة، المتصلة السند برجالها الصحاح بدون علة أو شذوذ أي لإسناد الرواية وذكر اسم مصحح الرواية، من كبار العلماء والفقهاء والمحدثين، أما العكس فهو عبث علمي. لأن المشكلة الحقيقية هي بأن هؤلاء لا يقرأون كتبهم وإن قرأوها لا يفهموها.

وضـوح التـشـريـع..

الواجب هنا ألا نصدقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم”، ما يعني أن الأحاديث عن أهل الكتاب لا يجوز تصديقها ولا يحوز تكذيبها، فإذا كان لا تصديق ولا تكذيب فيكون هنا إستئناس فقط، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، من إستدل بالتوراة، ذكر إثنا عشر إسماً، هنا أين هو الدليل على تخصيصيهم وتحديدهم بولاية الإثني عشر؟!

وأما الإعتراض على الإستدلال بالتوراة المحرفة من ذاك الذي استدل بالتوراة بإعتماده على حجة ابن تيمية والتصويب هنا بأن هذه المقارنة لا تجوز لأن ما جاء به ابن تيمية ليس حجة بل رأي، ويجب ألا يكون ذلك مستنداً لنجعل من أنفسنا نظراء لهم بحسب إجتهادهم وحاجتهم حينها إلى ذاك الإجتهاد، وهنا لدينا قاعدة تقول “الفضل ما شهدت به الأحداث”، والقاعدة الأخرى تقول “شهادة الخصم لا يعلى عليها”، فعندما نريد أن ننقض أقوال الخصم من كلامه، ننقضه من كلامهم، فالإحتجاج على كلام غير المسلم هنا يجوز ذلك، لأن ذلك من شهادة العدو على نفسه، وهذا سبب استدلال وحجة ابن تيمية بالتوراة، لكن في الحالة التي نتحدث عنها، فهذا الإحتجاج والإستدلال حقيقة بالتوراة المحرف، ساذج.

أيـن المنـطـق ؟..

هذه الأدلة دون توافر الشروط المكررة أعلاه، ليست أكثر من ردات فعل لإثبات وجهات نظر لا تحكم إلى منطق وضع في العلوم الإسلامية، فكل ما خلا من دليل، خلا من البيّنة ويعتبر ضعيفاً من الألف إلى الياء، فاليوم الأمة الإسلامية وسط ما يعتريها من ظروف ويكفيها ما فيها من فقر وجوع وتطبيع وحصار إقتصادي على البعض لا تحتاج إلى أمور سلبية إضافية تزيد أعباء الحياة عليها، فالأمة اليوم بحاجة إلى ما يوحدها لا ما يفرقها، أكثر مما هي متفرقة بسبب تلك الظروف.

خلاصة القول، فلتكن ردات الفعل مدروسة ولا يجب إقحامها لدعم التوجهات الجديدة ونبذ ونقض القديم او المتغير أو حتى إتباع نهج آخر، أو مدرسة إسلامية أخرى، ولكن يستوجب هنا القول “إن هذه الأمور سهلة الإيضاح وردوا العلماء الكبار سابقاً عليها ومضى الكثير من الزمان عليها”، فلنتوقف عن المراهقة الفكرية وإستفزاز مشاعر المسلمين، فإن كنت طالب علم أنت أيها المستدل بالتوراة، وإن قلت قولك عن جهل، لا ضير في ذلك، فهناك من الأساتذة العلماء الكثير تستطيع التحصيل عبرهم أو عبر مؤسسة علمية ثم إطرح ما تريد، بدل أن تطرح الشبهات التي تترك علامات الإستفهام على الطارح نفسه، ومن ثم الموضوع المشبوه، وإن كنت تقصد ومبيّت النوايا حول ذلك، فسيقف في وجه كل مسلم عرف أن الإسلام حق، والحق سلطان لا يُعلى عليه.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق