أصداءأقلام الكتاب

ملف “اللاجئين اليهود” .. التطورات الدراماتيكية والتعويضات من الدول العربية !!..

الكاتب/ نَـوّاف الـزَّرو

باحث خبير في الصراع العربي الإسرائيلي

 

ملف “اللاجئين اليهود” .. التطورات الدراماتيكية والتعويضات من الدول العربية..

يلاحظ أن سلطات العدو أخذت تفتح في الآونة الاخيرة عبر الماكينة الإعلامية الصهيونية؛ ملف ما يسمى “اللاجئون اليهود من الدول العربية”، وكذلك ملف “التعويضات المالية لهم”، مستغلة في ذلك المناخات العربية التطبيعية وحالة الانهيار والاستسلام العربي الرسمي، بل وأخذت تربط هذا الملف بملف اللاجئين الفلسطينيين وتعويضاتهم، ويبدو أن الرياح تسير لصالحهم؛ بفضل العرب الرسميين المطبعين.

فكما في كافة الملفات الفلسطينية، كذلك في ملف اللاجئين الفلسطينيين الذي يعتبر الأهم والأخطر في الحسابات الاستراتيجية الصهيونية، تقوم  الدولة الصهيونية بمساع جهنمية لاختطاف هذا الملف وشطبه تمامًا، عبر اختلاق ملف مواز أطلقت عليه: “ملف اللاجئين اليهود من الدول العربية”، ليكون في مواجهة حق العودة لللاجئين الفلسطينيين؛ إن على صعيد المفاوضات العبثية المستمرة منذ نحو سبعة وعشرين عامًا، أو على صعيد المنابر الدولية، وخاصة على صعيد الأمم المتحدة، فأخذت تلك الدولة في الآونة الاخيرة تصعد حملاتها الإعلامية حول ما تطلق عليه “حملة اللاجئ اليهودي”، فجاء مثلًا في أحدث وثيقة رسمية إسرائيلية أن: “لا سلام مع الفلسطينيين من دون اعترافهم بحقوق اللاجئين اليهود من الدول العربية”. وقال نائب وزير الخارجية الإسرائيلية سابقًا داني ايالون، الذي يقود الحملة في مقابلة مع القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي: “إن الدولة العبرية ستُطالب الدول العربية بالتعويضات المالية -التي قدرتها مصادر إسرائيلية بنحو 300 مليار دولار- لأنها قامت بعد الإعلان عن الدولة العبرية؛ بمصادرة أملاك اليهود وطردهم من وطنهم إلى إسرائيل”، مضيفًا: “أن حملة (أنا لاجئ يهودي)، هدفها المركزي؛ ايجاد صلة وثيقة بين من يسمون باللاجئين الفلسطينيين، باللاجئين اليهود”، موضحًا “أن الخطوة الإسرائيلية القادمة في هذا السياق، ستكون التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف بأن اليهود – العرب يجب اعتبارهم لاجئين بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى”، ومشددًا على “أن إسرائيل ترفض رفضًا قاطعًا التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، من دون حل مشكلة اللاجئين اليهود”.

فيا سبحان مغير الأحوال، ومحول الحق إلى باطل والباطل إلى حق؛ فبدل أن تقوم الأمم المتحدة بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين حلًا جذريًا إستنادًا إلى القرارات والمواثيق الأممية، وهي متأخرة نحو إثنين وسبعين عامًا، ستواجه من الآن فصاعدًا وبغطاء من العرب المطبعين، كما هو مبرمج لديهم، بقضية “اللاجئين اليهود”، وأي لاجئين .. تصوروا ..؟!

تُحتل وتُغتصب فلسطين ويطرد أهلها وأصحاب الحق والتاريخ فيها إلى مخيمات اللجوء والشتات، ليحل محلهم الغزاة اليهود من الخارج، ومن ضمنهم اليهود العرب الذين هاجروا أو هُجروا من البلاد العربية بشتى الطرق والوسائل الصهيونية الترغيبية أو الترهيبية كما هو معروف.

فاللاجئ الفلسطيني الذي ذبح وطرد وشرد من أرضه ووطنه وجرد من حقوقه، يصبح اليوم بعد اثنين وسبعين عامًا بلا حقوق من وجهة النظر الصهيونية، بينما يطلق على الذي جاء إلى فلسطين كغازٍ من الصهاينة اليهود “لاجئ”، حيث يصبح اليوم حتى باعتراف أمريكي لاجئًا وله حقوق بالمليارات !!.

وتشتمل الوثيقة الرسمية الصهيونية على “تعريف قانوني لمصطلح لاجئ يهودي من الدول العربية”، مشيرة إلى “أنه ينطبق، بحسب القانون الدولي، على اليهود الذين تركوا بيوتهم في الدول العربية وهاجروا إلى إسرائيل”، أما عدد هؤلاء اللاجئين، فقد جرى احتسابه انطلاقًا من تاريخ قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 وانتهاء بعام 1968، وحسب هذا المعيار، فقد أحصت الوثيقة 800 -850 ألف لاجئ يهودي، في مقابل 600 إلى 700 ألف لاجئ فلسطيني خلال هذه الفترة.

ويَدّعي أيالون : أن من سماهم باللاجئين اليهود كانوا يعيشون بأمن وسلام وإخلاص في الدول العربية، وعلى الرغم من ذلك تم طردهم، في حين أن اللاجئين الفلسطينيين، على حد قوله، لم يحملوا جوازات السفر، كما أنهم قاموا بمحاربة اليهود خلال ما سماها ب”حرب التحرير” في العام 1948، وهي المعروفة فلسطينيًا بالنكبة.

إلى ذلك، أوصت الوثيقة التي حملت عنوان (خلاصة العمل الأركاني واقتراح الموقف الإسرائيلي في المفاوضات مع الفلسطينيين في موضوع اللاجئين اليهود)، بضرورة تكريس مصطلح اللجوء المزدوج في المفردات الدولية المستخدمة، ورأت : “أن هناك مصلحة إسرائيلية في تأسيس رابط بين مأساة اللاجئين اليهود وقضية اللاجئين الفلسطينيين”، مشددة على ضرورة “طرح المسألتين ككتلة واحدة في المفاوضات حول اللاجئين في إطار الحل الدائم – إن حصل واستؤنفت على أي مستوى من المستويات الدولية -“، وذلك لغاية تهميش وإقصاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وخلق متاهة لا نهاية لها بوضع ما يسمى “حقوق اللاجئين اليهود” مقابل حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

كذلك أوصت الوثيقة بـ”ألا تكتفي الدولة العبرية بالمطالبة بتعويضات شخصية للاجئين اليهود من أصل عربي، بل أن تطالب بتعويض لدولة إسرائيل، التي أنفقت موارد في سبيل إستيعابهم خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي”؛ فانتظروا إذن، تطورات دراماتيكية وانقلاب في كل الحسابات والاستراتيجيات الفلسطينية والعربية والدولية على هذا الصعيد، فحكومة الاحتلال ستسعى – كما هو مبرمج – إلى استصدار قرار أممي يقضي بتعويض يهود الدول العربية، فتلك الحكومة تشتغل ليل نهار على إعداد حملة دولية واسعة للاعتراف بحقوق اليهود الذين هاجروا وهُجِّروا من الدول العربية، وتعريفهم باعتبارهم “لاجئين”، والشروع في مرحلة لاحقة للتفاوض مع بعض الدول العربية للحصول على تعويضات على الأملاك التي تركها اليهود في البلاد العربية، وتعتبر محاولة استصدار قرار أممي بهذا الخصوص الأولى من نوعها على المستوى الدولي لمواجهة حق اللاجئين الفلسطينيين وتصفية قضيتهم وحقهم في العودة، والتعويض الذي أقره المجتمع الدولي قبل اثنين وسبعين عاماً.

ودعمًا لهذه الحملة السياسية الدولية، أقر الكنيست الإسرائيلي، بموافقة الحكومة، قانونًا يُلزم أي حكومة إسرائيلية، بضرورة استنفاذ موضوع “حقوق اللاجئين اليهود في البلدان العربية” قبل التوقيع على أي اتفاقية سلام.

والملفت للانتباه في هذا الصدد إنحياز الإدارة الأمريكية ومجلسيها (الشيوخ والكونغرس) إلى جانب هذا المسعى الصهيوني، بل إن الكونغرس الأمريكي يتبنى ما يسمى قضية “اللاجىء اليهودي”، وكأنها قضية أمن قومي أمريكي.

ويبدو أن الجدل المحتدم في أروقة الكونغرس الأمريكي حول قضية اللاجئين وحق العودة والتوطين، يشكل إمتدادًا للجدل الصهيوني الذي يستهدف شطب هذه العناوين والمصطلحات من كافة القواميس السياسية، فالذي اعتدنا عليه  حتى الآن، أن الكونغرس أشد صهيونية في سياساته الفلسطينية، وربما لا نبالغ إن قلنا أن الأجندة السياسية الصهيونية تنتقل إلى قلب الكونغرس جملةً وتفصيلًا؛ فنحن إذ نتابع الجدل، بل والمساعي الأمريكية لتجفيف الدعم المالي للأونروا وللمؤسسات المدنية الفلسطينية على اختلافها، إنما نجد أنفسنا أمام هجوم أمريكي – إسرائيلي شامل يستهدف شطب الرواية العربية الفلسطينية، وكذلك حق العودة، وصولًا إلى محاولة شطب مصطلح “النكبة” من قاموس الصراع، مما يستدعي فلسطينيًا وعربيًا وأمميًا من كافة القوى الحية القيام بحملة مضادة، في مواجهة هذا المشروع الصهيوني الإختطافي للقضية بكل ملفاتها وحقوقها.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق